
من السهر والشاشات إلى المدرسة والمسؤولية…ريم مرتضى تضع للأهل مفاتيح بداية دراسية ناجحة
مع بداية عامٍ دراسي جديد، لا تقتصر عودة الأطفال إلى المدرسة على تجهيز الحقائب والكتب واللوازم المدرسية، بل تمثّل مرحلة انتقالية تتطلّب إعادة تنظيم العادات اليومية، من النوم والاستيقاظ، إلى التركيز والدراسة والتقليل من استخدام الشاشات وكيفية التعامل مع المسؤوليات الجديدة.
في هذا السياق، كان لنا هذا الحوار مع المدرّبة في الإرشاد الأسري والتربوي ريم مرتضى، التي تضيء على أهمية الانتقال التدريجي، والروتين الواضح، والدعم المتوازن، في مساعدة الطفل على بناء قدرته على التنظيم والاستقلالية والثقة بالنفس.
– كيف يستطيع الأهل إعادة تنظيم يوم أطفالهم، ولا سيّما لناحية النوم والاستيقاظ باكرًا، من دون أن تتحوّل هذه المرحلة إلى صراع يومي داخل المنزل؟
إن إعادة تنظيم اليوم الدراسي ليست مجرّد مسألة تتعلّق بوضع جدول زمني، بل هي إعادة ضبط للإيقاع اليومي والساعة البيولوجية، ولا سيّما بعد فترة من السهر والاستيقاظ المتأخر خلال العطلة. لذلك، فإن الانتقال المفاجئ من مواعيد النوم المتأخرة إلى الاستيقاظ المبكر قد يرفع مستوى التعب لدى الأطفال. اذا يحتاج الطفل إلى روتين متوقّع وثابت يساعده على الشعور بالأمان. ومن الأفضل أن يبدأ الأهل بتعديل مواعيد النوم والاستيقاظ تدريجيًا، مع تثبيت طقوس مسائية واضحة، مثل تخفيف الإضاءة واستخدام الشاشات، وتحضير الحقيبة والملابس لليوم التالي. كما ينبغي الانتباه إلى أن النوم ليس سلوكًا يمكن فرضه بالقوة على الأطفال، بل يرتبط بالنضج العصبي وبالإيقاع اليومي. ومن هنا، يتحوّل دور الأهل من موقع الشرطة إلى موقع المنظّم والداعم: يضعون حدودًا واضحة ويحافظون عليها، وفي الوقت نفسه يمنحون الطفل خيارات محدودة ضمن هذه الحدود. فالهدف ليس أن ينام الطفل خوفًا من العقاب، بل أن يتعلّم تدريجيًا إدارة وقته وفهم حاجاته وتنظيمها.
– عندما يرى الطفل شقيقه الأصغر يبقى في المنزل بينما يذهب هو إلى المدرسة، كيف يمكن للأهل التعامل مع هذا الشعور من دون أن يتحوّل إلى رفض للمدرسة أو غيرة من الشقيق؟
قد يختبر الطفل في هذه المرحلة مشاعر متداخلة، مثل الغيرة والشعور بالحرمان والحنين إلى الراحة، أو قد يعتقد أن شقيقه الأصغر يحصل على امتيازات لا يحصل عليها هو. وهذه المشاعر لا تعني بالضرورة أنه يرفض المدرسة، بل قد تعبّر عن صعوبة في التكيّف مع الانتقال من بيئة العطلة إلى متطلبات المدرسة. ومن المهم أن يميّز الأهل بين الاعتراف بالشعور وقبول السلوك غير المناسب. يمكن أن يقولوا للطفل مثلًا: «أفهم أنك تحب أن تبقى في المنزل مثل أخيك، لكنه أصغر منك، وأنت لديك مدرسة، وهذا يتطلّب منك جهدًا يساعدك على الوصول إلى أهدافك». هذا النوع من الاستجابة يُعرف في الإرشاد الأسري بالتحقّق الانفعالي؛ أي الاعتراف بمشاعر الطفل من دون تضخيمها أو الاستسلام لها. وفي الوقت نفسه، يستطيع الأهل دعم تكيّفه من خلال تعزيز انتمائه إلى المدرسة وربطها بالعلاقات الإيجابية والتجارب الناجحة. كما أن تخصيص وقت فردي للطفل مع الأهل يساعده على حماية حاجته إلى الاهتمام، ويخفّف من احتمال أن تتحوّل غيرته إلى رفض أو عدائية تجاه شقيقه الأصغر.
– أصبح الهاتف والـ«iPad» جزءًا أساسيًا من حياة الأطفال، فكيف يمكن للأهل وضع حدود واضحة لاستخدام الشاشات بطريقة ذكية ومتوازنة، من دون اللجوء إلى المنع القاسي أو خلق مزيد من العناد؟
التعامل مع الشاشات يحتاج إلى الانتقال من مفهوم المنع المطلق إلى مفهوم التنظيم الواعي للاستخدام. فالمشكلة ليست في وجود التكنولوجيا بحدّ ذاتها، بل في طريقة استخدامها ومدّتها وتوقيتها وتأثيرها في النوم والتعلّم والنشاط الحركي والعلاقات الاجتماعية والقدرة على تحمّل الملل. ومن منظور علم النفس التربوي، يحتاج الطفل إلى حدود خارجية واضحة تساعده تدريجيًا على تطوير ضبطه الذاتي وتأجيل الإشباع. وهذه المهارة لا تتكوّن من خلال الأوامر وحدها، بل عبر التكرار والنمذجة والروتين والممارسة التدريجية. لذلك، من الأفضل أن يضع الأهل خطة أسرية لاستخدام الشاشات، تتضمّن أوقاتًا محدّدة وقواعد واضحة، إلى جانب مناطق أو أنشطة خالية من الشاشات، مثل وقت النوم والوجبات والدراسة، مع مراعاة عمر الطفل واحتياجاته الفردية.
كما ينبغي أن تكون القواعد مطبّقة على مستوى الأسرة، فلا يُطلب من الطفل ألّا يستخدم الشاشة بينما يرى الأهل أنفسهم يستخدمونها باستمرار. ومن المهم أيضًا ألّا تصبح الشاشة الأداة الانفعالية الوحيدة لدى الطفل؛ أي ألّا تكون الإجابة الدائمة على البكاء أو الغضب أو الملل هي إعطاؤه الهاتف. فالطفل يحتاج إلى تعلّم تنظيم انفعالاته من خلال وسائل متعددة، مثل الحركة واللعب والتواصل والأنشطة الإبداعية. والحدود الفعّالة لا تعني غياب الاعتراض، بل تعني قدرة الأهل على التعامل مع اعتراض الطفل من دون التراجع عن القاعدة أو الدخول في صراع قوة معه. بهذه الطريقة، يتعلّم الطفل أن مشاعره مسموحة، لكن القواعد تبقى ثابتة.
– كيف نساعد الطفل على استعادة قدرته على التركيز والدراسة، خصوصًا بعد فترة العطلة الطويلة، وما الأخطاء التي يرتكبها الأهل عندما يضغطون عليه لإنجاز واجباته؟
التركيز ليس قدرة ثابتة تعمل بالمستوى نفسه في جميع الظروف، بل هو وظيفة معرفية تتأثر بالنوم والتعب والاندفاع والانتباه والبيئة المحيطة وطبيعة المهمة المطلوبة. وبعد العطلة، يحتاج الطفل إلى فترة من إعادة التكيّف المعرفي والسلوكي مع متطلبات المدرسة. ومن المفيد أن نبدأ بمهام قصيرة وواضحة، ثم نزيد مدّتها وتعقيدها تدريجيًا، مع توفير فترات راحة مناسبة. كما يمكن مساعدة الطفل على تقسيم المهمة إلى خطوات، وتحديد الأولويات، واستخدام تعليمات متسلسلة وواضحة. ومن الأخطاء الشائعة التي يرتكبها الأهل المقارنة والتوبيخ المستمر، واعتبار التشتّت كسلًا أو تعمّدًا، والتدخّل في كل خطوة يقوم بها الطفل، وتحويل الواجب المدرسي إلى اختبار للعلاقة بين الأهل والطفل. الأفضل هو اعتماد الدعم التدريجي: تقديم المساعدة التي يحتاج إليها الطفل في البداية، ثم تخفيف هذه المساعدة تدريجيًا مع تطوّر قدرته. والسؤال الأهم ليس: «كيف أجعله ينهي واجبه بسرعة؟»، بل: «كيف أساعده على تطوير المهارة التي تمكّنه من التعلّم باستقلالية؟»
– هل الاعتماد الدائم على المعلّمة في المنزل أو على المركز التعليمي يجعل التلميذ أكثر اتكالية، ويضعف قدرته على الدراسة بمفرده؟
إن وجود المعلّمة الخاصة أو المركز التعليمي لا يجعل الطفل تلقائيًا اتكاليًا، بل قد يكون هذا الدعم ضروريًا لمعالجة فجوة تعليمية، أو صعوبة في مادة معيّنة، أو حاجة إلى أسلوب شرح مختلف. لكن أثر هذا الدعم يعتمد على طبيعته وطريقة تقديمه والهدف منه. وهنا يجب التمييز بين الدعم التعليمي الذي يبني الكفاءة، والدعم الذي يتحوّل إلى اعتماد دائم على شخص آخر لإنجاز المهام. فإذا اعتاد الطفل أن يحصل على الحلول الجاهزة، أو ينتظر من يذكّره بكل خطوة، أو يتوقف عن المحاولة عند أول صعوبة، فقد يؤدي ذلك إلى تراجع تطوّر استقلاليته الأكاديمية. ومن المفاهيم الأساسية هنا تقديم دعم مؤقت ومناسب لمستوى الطفل، ثم سحبه تدريجيًا مع تطوّر قدرته، بما يعزّز ما يُعرف بالكفاءة الذاتية الأكاديمية؛ أي اعتقاد الطفل بأنه قادر على الفهم والمحاولة والتقدّم من خلال جهده والاستراتيجيات التي يستخدمها. لذلك، يجب أن يكون هدف المعلّمة أو المركز نقل المهارة، لا إنجاز المهمة بدلًا من الطفل. ومن المفيد طرح أسئلة مثل: هل يستطيع الطفل شرح الفكرة بنفسه؟ هل يمكنه حل تمرين مشابه من دون مساعدة؟ هل يعرف كيف يبدأ عندما يواجه سؤالًا صعبًا؟ فالاستقلالية لا تعني أن يبدأ الطفل وحده منذ البداية، بل أن يحصل على الدعم المناسب الذي يساعده، مع مرور الوقت، على الاعتماد على نفسه بصورة أكبر.
– عندما يعود الطفل إلى المنزل بعلامات متدنية، ما التصرف الصحيح من الأهل؟ وهل الضغط والعقاب يدفعانه فعلًا إلى تحسين مستواه، أم قد يجعلان المشكلة أكبر ويؤثران في ثقته بنفسه؟
العلامة المدرسية هي مؤشر على أداء الطفل في مهمة أو مادة أو ظرف محدّد، وليست تقييمًا شاملًا لقدراته أو ذكائه أو شخصيته. لذلك، تبدأ الاستجابة التربوية الناضجة بفهم أسباب النتيجة قبل الحكم على الطفل. فقد ترتبط العلامة المتدنية بفجوة تعليمية، أو ضعف في مهارات الدراسة، أو صعوبة في الفهم، أو قلق من الاختبار، أو مشاكل في الانتباه والتنظيم، أو عدم ملاءمة طريقة التعلّم لاحتياجات الطفل. ومن هنا، من الضروري إجراء تقييم وظيفي للصعوبة بدلًا من الاكتفاء بالحكم على النتيجة.
أما الضغط والعقاب، فقد يدفعان بعض الأطفال إلى الامتثال على المدى القصير، لكنهما لا يضمنان بناء الدافعية الداخلية أو معالجة السبب الحقيقي وراء تراجع المستوى. وعندما يصبح الخطأ مرتبطًا بالخوف من الإهانة أو فقدان القبول، قد يتراجع أداء الطفل أكثر، وقد يتجنّب المحاولة خوفًا من الفشل، ما ينعكس سلبًا على ثقته بنفسه. لذلك، من الأفضل أن يفصل الأهل بين قيمة الطفل ونتيجته الأكاديمية، وأن يتعاملوا مع العلامة بوصفها معلومة تساعدهم على تحديد ما يحتاج الطفل إلى تطويره.



