تحولات الصراع في الشرق الأوسط: الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة في معادلة الردع الجديدة

سلام جاسم الطائي باحث في الشأن السياسي_

تتصاعد حدة التوترات العسكرية في المنطقة في مشهد يصفه كثير من المراقبين بأنه أقرب إلى الدوامة الجهنمية، حيث وجدت المنطقة نفسها منساقةً نحو مواجهة مفتوحة عقب قرار الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي شن هجوم واسع على الجمهورية الإسلامية. غير أن القراءة المتأنية لما يجري تكشف أن الأمر يتجاوز بكثير حدود التقديرات الأمنية أو الحسابات العسكرية الضيقة، ليعبّر في جوهره عن محاولة أوسع لتصفية عناصر الاقتدار في المنطقة وإعادة رسم موازين القوة بما يضمن استمرار الهيمنة الأمريكية والتفوق الاستراتيجي لكيان الاحتلال الصهيوني. في عواصف التاريخ الكبرى تتلاشى المناطق الرمادية وتتمايز الصفوف، فلا يبقى في نهاية المطاف إلا فسطاطان: فسطاط الحق الذي يأوي إليه الأحرار، وفسطاط الباطل الذي يجمع أشتات الإجرام. وما يجري اليوم في منطقتنا لا يمكن قراءته بوصفه صراعًا سياسيًا عابرًا أو جولة عسكرية محدودة، بل هو مواجهة وجودية مفتوحة تتقاطع فيها الأبعاد الجيوسياسية والعسكرية والفكرية. إنها مواجهة بين مشروع يسعى إلى تثبيت نظام إقليمي قائم على الهيمنة وإدامة التفوق الإسرائيلي المزعوم ومشروع آخر يحاول كسر هذه المعادلة وفرض توازن جديد في موازين القوة. وفي قلب هذه المعادلة يقف محور المقاومة، وعلى رأسه الجمهورية الإسلامية ظ، بوصفه القوة التي حالت خلال العقود الماضية دون اكتمال مشروع السيطرة المطلقة على المنطقة. لقد أثبتت التجربة أن الصراعات الكبرى لا تُحسم فقط في الميدان العسكري، بل في طبيعة الاستراتيجية التي تُدار بها تلك الميادين. فمنذ ما يقارب خمسة عقود وضعت بعض دول الخليج أمنها وسيادتها في يد الولايات المتحدة، وفتحت أراضيها للقواعد العسكرية، وأنفقت مئات المليارات من الدولارات تحت ذريعة الحماية من إيران. وقد جرى تسويق هذا الخيار بوصفه ضرورة استراتيجية لا بديل عنها، وأن تلك القواعد تمثل مظلة ردع تحمي العروش قبل الأوطان. غير أن الواقع، ومع أول اختبار حقيقي، أسقط هذه الرواية وكشف أن ما بُني على الوهم لا يمكن أن يصمد أمام الحقيقة. ومن هنا يمكن فهم السلوك الإيراني في هذه المواجهة من خلال ما يمكن تسميته استراتيجية النفس الطويل، وهي مقاربة تقوم على إدارة الصراع بطريقة متدرجة تتجنب الوقوع في فخ الحسم الخاطف الذي تسعى إليه واشنطن وتل أبيب. فبدلاً من الانجرار إلى مواجهة سريعة تحاول الولايات المتحدة وكيان الاحتلال فرض إيقاعها، تفضّل طهران إدارة المعركة ضمن معادلة استنزاف مركّب يربك الخصم ويعطّل قدرته على فرض شروطه. ضمن هذا السياق، لم تكن جولات الوعد الصادق وجبهات الإسناد، سواء في لبنان أو العراق، وحتى اليمن التي تنتظر تنفيذ خطتها في هذه المعركة مجرد ردود فعل ظرفية أو عمليات عسكرية محدودة، بل كانت في حقيقتها مراحل تمهيدية لإعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة. فقد شكّلت تلك العمليات نوعًا من البروفات الاستباقية التي أعادت رسم حدود الردع وحددت طبيعة التوازنات الجديدة. ومع اتساع رقعة المواجهة، بات واضحًا أن المعركة لم تعد تدور فقط على مستوى الجغرافيا المباشرة للصراع، بل على مستوى المنظومات الاستراتيجية التي تدير هذا الصراع. غير أن المسألة في جوهرها لا تتعلق فقط بتفاصيل عسكرية أو تكنولوجية، بل ترتبط بسؤال أعمق يتصل بمستقبل المنطقة وهويتها السياسية. فكيان الاحتلال الصهيوني لم يُخفِ يومًا طموحاته التوسعية أو سعيه الدائم إلى فرض واقع إقليمي قائم على التفوق المطلق، مستفيدًا من شبكة تحالفات دولية وإقليمية تهدف إلى تأمين هذا التفوق وإدامته. وقد ارتبط هذا المشروع منذ بداياته بفكرة إعادة تشكيل المنطقة عبر إضعاف الدول العربية والإسلامية وتفكيك بنيتها الداخلية، تمهيدًا لفرض نظام إقليمي يخضع بالكامل لمنطق الهيمنة. إن نصرة الجمهورية الإسلامية في هذه اللحظة لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد موقف سياسي عابر أو انحياز ظرفي في صراع إقليمي، بل هي في جوهرها تعبير عن موقف مبدئي يتعلق بحق شعوب المنطقة في الدفاع عن استقلالها ورفض منطق الاستباحة. فالقضية المطروحة اليوم تتجاوز حدود السياسة التقليدية لتلامس سؤال السيادة والكرامة في نظام دولي ما تزال تتحكم فيه موازين قوى غير عادلة. ومن هنا فإن المعركة الدائرة اليوم لا يمكن اختزالها في مواجهة بين دولتين أو محورين فحسب، بل هي في حقيقتها صراع إرادات حول شكل النظام الإقليمي القادم إرادة تسعى إلى فرض السيطرة وإعادة إنتاج نظام الهيمنة الذي حكم المنطقة لعقود طويلة، وإرادة أخرى تحاول تثبيت معادلة ردع جديدة تحمي استقلال القرار الإسلامي الوطني وتمنع احتكار القوة. وبين هاتين الإرادتين يتحدد شكل المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط. فإما أن تنجح مشاريع الهيمنة في فرض واقع جديد يعيد المنطقة إلى دائرة التبعية السياسية والعسكرية، وإما أن تفرض قوى المنطقة معادلة توازن تتيح لها الدفاع عن مصالحها وصياغة مستقبلها بعيدًا عن منطق الإملاء الخارجي. وفي هذا المفترق التاريخي، تصبح المواقف أكثر من مجرد اصطفافات سياسية؛ إنها تعبير عن رؤية لمستقبل المنطقة وعن الإرادة التي ستحدد مصيرها في العقود القادمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *