
عبد الرازق عكاشة من متحف بيكاسو في باريس: هل ما زلنا نرى الفن حقًا؟
د. أشرف أبو اليزيد
باريس – في بث مباشر حمل الكثير من التأمل والأسئلة، استعاد الفنان التشكيلي العالمي والروائي عبد الرازق عكاشة اليوم جزءًا من حيويته المعهودة من قلب العاصمة الفرنسية، بعد متاعب صحية ألمّت به مؤخرًا وأثّرت في برنامجه الثقافي والفني المعتاد خلال زيارته الحالية لباريس.
ولطالما اعتاد متابعو عكاشة أن يصحبهم في جولات يومية بين المتاحف والفضاءات الفنية الفرنسية، ناقلًا إليهم عبر البث المباشر تفاصيل الأعمال الكبرى وأسئلتها الجمالية والإنسانية. إلا أن هذه الزيارة جاءت مختلفة، فرضت ظروفها الصحية إيقاعًا أكثر هدوءًا، لكنها لم تستطع أن تنتزع منه شغفه القديم بالفن، ولا رغبته في مواصلة الحوار مع جمهوره.
ومن داخل متحف بيكاسو في حي الماريه التاريخي، وقف عكاشة أمام خزفيات الفنان الإسباني الكبير بابلو بيكاسو، مطلقًا سؤالًا بدا وكأنه يتجاوز جدران المتحف ليصل إلى المشهد التشكيلي المعاصر بأسره: «هل نحن نرى فنًا تشكيليًا حقًا، أم نعيش داخل صور لمعارض بلا قيمة؟»
ويقع متحف بيكاسو داخل قصر فندق ساليه العائد إلى القرن السابع عشر، وقد افتُتح كمتحف مخصص لبيكاسو عام 1985، ويضم أغنى مجموعة عامة في العالم لأعمال الفنان، بما يزيد على خمسة آلاف عمل فني ومئات الآلاف من الوثائق والأرشيفات المرتبطة بحياته وإبداعه.
وتحتل الخزفيات مكانة استثنائية في هذا المتحف؛ فبعد أن رسّخ بيكاسو مكانته بوصفه أحد أبرز رواد الفن الحديث ومؤسس التكعيبية، اتجه منذ عام 1946 إلى فن الخزف في بلدة فالوريس الفرنسية، محوّلًا الطين إلى لغة تشكيلية جديدة تمزج بين الرسم والنحت والأسطورة. وقد أنتج مئات القطع من الأطباق والجرار والأشكال الإنسانية والحيوانية التي ما تزال تشهد على طاقته التجريبية الفريدة.
ولا يعرض المتحف هذه الأعمال بوصفها مجرد قطع فخارية مستقلة، بل يضعها في سياق المسار الكامل لتطور بيكاسو الإبداعي، جنبًا إلى جنب مع لوحاته ومنحوتاته ورسوماته ودفاتر اسكتشاته، في تجربة بصرية تتيح للزائر أن يرى كيف يمكن لمادة بسيطة كالطين أن تتحول إلى شعر مرئي، وكيف يستطيع الفن الحقيقي أن يمنح الأشياء العادية حياة أخرى.
ومن هذا المكان الذي يستقطب الفنانين والباحثين ومحبي الفن من مختلف أنحاء العالم، بدا عبد الرازق عكاشة وكأنه يطرح قضية تتجاوز تجربة بيكاسو نفسها، داعيًا إلى إعادة التفكير في معنى الفن وقيمته. فالفن، كما توحي وقفته في متحف بيكاسو، ليس حدثًا عابرًا أو صورة تُلتقط داخل معرض، بل هو قدرة مستمرة على تحويل المادة إلى معنى، والذاكرة إلى رؤية، والحياة نفسها إلى عمل إبداعي يستحق أن يُرى وأن يُعاش.







