أخر الأخبار

بين الضربة والاحتواء: مستقبل النووي الباكستاني بعد إسقاط إيران من المعادلة

هل ستكون باكستان الهدف التالي؟

د. عبد الله خلوف 

بينما يتابع العالم سيناريوهات ما بعد الضربة الأمريكية–الإسرائيلية الكبرى ضد البرنامج النووي الإيراني، يطرح سؤالٌ جديدٌ نفسه بقوة في أروقة الدبلوماسية والأمن الدولي: هل تصبح الترسانة النووية الباكستانية الخطر الأكبر القادم؟
سؤال يجد جذوره في حقائق جيوسياسية معقدة وتجارب تاريخية مريرة، وحسابات لا ترى في تحييد إيران نهايةً للمخاطر النووية، بل مجرّد تحريك لمركز الثقل النووي نحو دولة إسلامية أخرى تملك بالفعل القنبلة، في وقت يناقش فيه صناع القرار الإسرائيلي بشكل جدي «الهدف التالي» بعد إيران وسط إدراك عميق أن باكستان ليست خصمًا سهلًا.

نووي باكستان: سلاح خارج المعاهدة والحسابات السهلة

البرنامج النووي الباكستاني نشأ كرد فعل مباشر على النووي الهندي، خارج معاهدة عدم الانتشار (NPT)، ما يجعله محاطًا بالريبة الغربية الدائمة.

في مراكز الفكر الإسرائيلية مثل «معهد دراسات الأمن القومي» و«مركز بيغن–السادات»، يُطرح تساؤل متكرر: كيف يركّز العالم كل جهده على إيران بينما توجد بالفعل دولة إسلامية مسلّحة نوويًا؟
لكن صانع القرار الإسرائيلي يدرك أيضًا أن ضرب باكستان أصعب بما لا يقارن مع إيران: فباكستان تملك السلاح أصلًا، منشآتها موزّعة سرًا، وردعها فعّال وفوري.

الخوف الأكبر: الانهيار الداخلي وتسرب السلاح

المخاوف الغربية ليست من أن تُقدم باكستان على مهاجمة إسرائيل مباشرة، بل من خطر آخر أشد تعقيدًا: الانهيار الداخلي أو سيطرة جماعات متشددة على جزء من الترسانة.
تاريخ باكستان حافل بالانقلابات والأزمات واغتيالات رؤساء وزراء، ما يثير أسئلة حول من سيحمي السلاح يومًا ما إذا وهن الجيش أو اهتزّ استقراره.

في إسرائيل، يُنظر تحديدًا لسيناريو الفوضى الباكستانية باعتباره أخطر حتى من امتلاك إيران قنبلة واحدة؛ لأن باكستان تملك بالفعل عشرات الرؤوس النووية، ما يعني أن مجرد فقدان السيطرة على جزء صغير منها قد يُشعل كارثة غير محسوبة.

إستراتيجية الاحتواء: دعم الجيش والتغلغل الناعم

هنا يلتقي الموقف الغربي والإسرائيلي: القناعة بأن بقاء الجيش الباكستاني قويًا ومتماسكًا هو صمام الأمان الوحيد ضد خطر انزلاق السلاح لأيدي متطرفين.
لهذا ضخّت واشنطن مليارات الدولارات في الجيش، وفرضت أحيانًا ضغوطًا اقتصادية عبر «FATF»، بينما اعتمدت إسرائيل أكثر على التعاون الاستخباري والمراقبة السرية.

وثائق ويكيليكس كشفت قلقًا عميقًا في السفارة الأمريكية في إسلام آباد من وتيرة إنتاج مواد انشطارية أسرع من المتوقع، كما تابعت أجهزة الاستخبارات تحركات العلماء والمواقع، تحسّبًا لسيناريو الفوضى.

دروس التجارب: ولماذا إسرائيل تعجز عن الضربة

حين قصفت إسرائيل مفاعل «الكبر» السوري، كان مفاعلًا واحدًا في موقع معلوم، وتدعي نفس الأمر في الحالة الإيرانية، أما برنامج باكستان فموزّع على عشرات المواقع السرية المحمية، والجيش الباكستاني يملك قرار الردع دون وسيط.
وفي مراكز الفكر الإسرائيلية يُعترف صراحة بأن الضربة ضد باكستان تكاد تكون مستحيلة عمليًا، بسبب:

  • بُعد المسافة وصعوبة العمل اللوجستي.
  • الردع النووي الباكستاني الفعلي، لا المحتمل فقط.
  • خطر دفع باكستان كليًا إلى حضن الصين، التي تعتبرها ركيزة في «الحزام والطريق».
  • احتمال تفجير حرب واسعة مع الهند أو تسرب إشعاعي كارثي.

لهذا يتركّز النقاش الإسرائيلي أكثر على مراقبة الوضع الداخلي الباكستاني، والتعاون الاستخباري غير المعلن، بدل التفكير بضربة استباقية لم تعد واقعية.

باكستان ليست لقمة سائغة

في واشنطن وتل أبيب، هناك إدراك مشترك: ضرب إيران كان «جراحة استباقية» لدولة على وشك امتلاك القنبلة، أما باكستان فهي قوة نووية متماسكة حتى اللحظة.

أي ضربة ضدها تحمل مخاطر هائلة: ردّ نووي مباشر أو حتى جزئي، دفع الصين للتدخل، تدمير علاقة أمريكا مع حليف محوري في آسيا، فضلًا عن استحالة ضرب كل الرؤوس دفعة واحدة.
لذلك تظل باكستان في نظر الغرب «خطرًا مقلقًا طويل الأمد» لكن ليس «الهدف التالي»، بل ملفًا يجب احتواؤه لا كسره.

رغم المخاوف الغربية والإسرائيلية من «القنبلة الإسلامية»، تدرك العواصم الكبرى أن باكستان ليست مشروعًا ناشئًا بل قوة ردع فعلية. وحتى في النقاشات الإسرائيلية نفسها، يتفق الباحثون على أن إسرائيل لا تستطيع عمليًا توجيه ضربة ناجحة لباكستان: المسافة بعيدة، المنشآت موزّعة، الجيش متماسك، وأي محاولة كهذه قد تفجّر حربًا إقليمية أو تدفع الصين للمواجهة.
لذلك يظل النووي الباكستاني خطرًا لا يمكن تجاهله، لكن أيضًا خطرًا يصعب جدًا تحييده بالقوة، ويبقى الرهان الغربي حتى إشعار آخر على بقاء الجيش حارسًا يقظًا… فالقنبلة هنا ليست طموحًا مستقبليًا، بل واقعًا حيًا لا أحد يجرؤ على اختباره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *