
سوبرمان… بين الخيال والواقع اللبناني
عندما كنت في الرابعة من عمري، حلمتُ أن أصبح سوبرمان. كنتُ أراه الطريق لجعل العالم مكاناً أفضل. كبرتُ لأكتشف أن سوبرمان ليس إلا خيالاً، وأن مهمة تغيير العالم قد تبدو أحياناً بدورها وهماً.
قبل أسابيع قليلة، تصدّر أحدث أفلام سوبرمان عناوين الأخبار والجدل، لما تضمّنه من رسائل وإسقاطات سياسية، بعضها متصل بشكل مباشر بالصراع مع الكيان الصهيوني. الفضول دفعني إلى مشاهدته، ليس بصفتي ناقداً سينمائياً أو خبيراً في الصناعة، بل بصفتي لبنانياً عاش وما زال يعيش الصراع مع الاحتلال: من عدوان 1993، إلى “عناقيد الغضب” عام 1996، إلى التحرير عام 2000، فحرب تموز 2006، وصولاً إلى العدوان المستمر منذ 2023.
في الفيلم، يظهر زعيم أبيض البشرة متعطّش للسيطرة في بلد خيالي اسمه “بورافيا”، يحاول غزو “جارهنبور” طمعاً في ثرواتها الطبيعية. تقف خلفه قوة عظمى، ورجل أعمال مهووس بالتسلح والدعم غير المشروط. خطتهم تبدأ بحملة تشويه ممنهجة يقودها آلاف القرود خلف الشاشات، غايتها أن يطالب الناس بتجريد سوبرمان من سلاحه، ذلك السلاح الذي هو في جوهره قدراته وقوته. وما إن يُحرم منه ويُسجن، حتى تُفتح الطريق أمام الغزو، ويُترك “جارهنبور” مكشوفاً إلا من حجارة وأعلام ملونة برمال الوطن.
قد يكون الفيلم انتهى بنهاية سعيدة، كما يفرض الخيال قوانينه، لكن ما لفتني كان ذاك الشعور المألوف في أحداثه… إحساس بأن القصة لا تعود فقط إلى “جارهنبور” ولا إلى سوبرمان، بل تلمس واقعاً يتردّد في أيامنا ويُحاك أمام أعيننا. حين يُحرَم البطل من مصدر قوته، وتُفتح الأبواب أمام المعتدي، وحين يُترَك الناس عُزّلاً إلّا من حجارة وأعلام، أليست هذه صورة تتكرّر اليوم بوجوه مختلفة؟
قد يكون سوبرمان بطلاً من نسج الخيال، لكن الحقيقة أن الأرض لا يحميها سوى أبنائها، وأن الراية لا تسقط ما دام هناك من يرفعها. وكل من يتنازل أو يتخلى عن مصدر قوته، فمصيره الخضوع والخنوع… والاحتلال.
د. محمد م. هزيمة



