
أمل شعبان… حين تكون النزاهة أقوى من التهمة
أمل شعبان… حين تكون النزاهة أقوى من التهمة
كتب التربوي نوفل ناصر الدين.
هناك موظفون تمرّ أسماؤهم في الإدارة كما تمرّ السنوات؛ يحضرون، ينجزون ما عليهم، ثم يغادرون من دون أن يتركوا أثرًا يُذكر.
وهناك موظفون تصبح تجربتهم شهادة على أن النزاهة في الدولة ليست شعارًا يُرفع، بل ثمنًا يُدفع.
أمل شعبان من هؤلاء.
قد يختلف الناس على قرار إداري هنا، أو على موقع وظيفي هناك، وهذا حق طبيعي في دولة المؤسسات. لكن هناك فرقًا شاسعًا بين أن تناقش قرارًا إداريًا، وبين أن تختصر مسيرة موظفة كاملة بواقعة قضائية انتهت إلى منع المحاكمة عنها.
*أمل لم تكن يومًا اسمًا عابرًا في وزارة التربية.*
كانت في قلب واحدة من أكثر دوائر الوزارة حساسية: دائرة الامتحانات الرسمية.
وفي هذا الموقع، لا يكفي أن تكون موظفًا يعرف كيف يوقّع ويُنجز المعاملات. أنت أمام آلاف الطلاب، وأهاليهم، ومدارسهم، ونتائج تحدد مصائر أكاديمية ومهنية.
ومن يعرف كواليس الامتحانات الرسمية يعرف أن هذا الموقع ليس موقع وجاهة، إنه موقع ضغط ومسؤولية وقرارات.
ومع ذلك، فإن أكثر ما يلفت في تجربة أمل شعبان ليس الموقع الذي شغلته، بل الطريقة التي خرجت بها من أصعب مراحل حياتها المهنية.
هناك أشخاص، حين تقترب منهم العاصفة، يبحثون عن باب خلفي.
وهناك من يقفون في مكانهم.
*أمل وقفت نعم وقفت*
مرّت بتجربة قاسية، لكن التجربة لم تتحول إلى سقوط.
تحولت إلى امتحان آخر: امتحان الكرامة.
والإنسان لا تُعرف صلابته في الأيام السهلة.
تُعرف حين يصبح اسمه مادة للتداول، وحين يصبح كل صباح احتمالًا جديدًا لعنوانٍ جارح، وحين يضطر إلى شرح نفسه في قضية سبق أن قال القضاء كلمته فيها.
هنا تظهر المعادن.
وهنا تحديدًا تستحق أمل شعبان أن تُقرأ بطريقة مختلفة.
هي ليست مجرد موظفة نجت من ملف.
هي موظفة استمرت في العمل بعد الملف.
وهذه مسألة لا يفهمها إلا من يعرف قسوة الحياة العامة في لبنان.
*ثم هناك أمل الأخرى…الأم.*
المرأة التي لا تنتهي قضيتها عند باب المحكمة أو الوزارة.
لأن الموظفة عندما تتعرض لهزة، تعود إلى بيتها.
وهناك ابنة تراقب.
وعائلة تتألم.
وأم تحاول أن تبدو قوية أمام أبنتها حتى لا تجعلهم يدفعون ثمن ما مرّت به.
ولذلك فإن الحديث عن أمل شعبان لا يمكن أن يبقى حديثًا عن موظفة فقط.
هناك امرأة حملت وظيفتها إلى بيتها، وحملت بيتها إلى وظيفتها، وحاولت أن تبقى واقفة في المكانين.
وهذا ربما أصعب امتحان يمكن أن تخضع له امرأة عاملة.
أما حكاية أنها من رأس بعلبك وليست من عكار، فهي لا تستحق حتى أن تكون معيارًا للحكم عليها.
أمل شعبان ليست بحاجة إلى أن تولد في عكار حتى تكون جديرة بخدمة عكار.
الموظف العام لا يحمل معه خريطة بلدته إلى مكتبه ،يحمل خبرته ،يحمل ضميره ،يحمل كفاءته ،ويحمل الأمانة التي أقسم عليها.
بل إن أجمل ما في الإدارة العامة أن اللبناني يستطيع أن يخدم اللبناني في أي بقعة من هذا الوطن.
ابن رأس بعلبك يستطيع أن يخدم عكار.
وابن عكار يستطيع أن يخدم بعلبك.
وابن الجنوب يستطيع أن يخدم بيروت.
هذه هي الدولة التي نريدها.
لا دولة يسأل فيها الموظف: “من أي بلدة أنت؟”
بل دولة تسأل: “ماذا تستطيع أن تقدم؟”
وإذا كان هناك من يريد تقييم أمل شعبان في موقعها الجديد، فليترك لها فرصة واحدة عادلة:
دعوا عملها يتحدث.
دعوا الملفات تتحدث.
دعوا الموظفين الذين عملوا معها يتحدثون.
دعوا السنوات التي أمضتها في الوزارة تتحدث.
ودعوا عكار نفسها تحكم على تجربتها.
أما الماضي، فقد مرّ عبر المؤسسات المختصة، والقضاء قال كلمته فيه.
ولا يجوز أن تتحول حياة الإنسان إلى عقوبة مفتوحة بعد انتهاء القضية.
أمل شعبان لا تحتاج إلى شفقة.
ولا تحتاج إلى بطولة مصطنعة.
ولا تحتاج إلى أحد ليخترع لها فضائل.
هي تحتاج فقط إلى أن تُعامل بالقاعدة التي يجب أن تنطبق على كل موظف:
يُحاسب على ما يثبت عليه، ويُقدّر على ما ينجزه.
وإذا أردنا أن نكتب عن أمل بصدق، فلنكتب عن امرأة لم تسمح لتجربة قاسية أن تكسرها.
لنكتب عن موظفة وصلت إلى مواقع المسؤولية لأنها عرفت الوزارة من الداخل.
لنكتب عن أمّ عرفت أن أبنتها تراقبها، فاختارت أن تكون أمامها مثالًا على أن الإنسان قد يُظلم، لكنه لا يسمح للظلم بأن يحوّله إلى إنسان مهزوم.
لنكتب عن امرأة كان يمكنها أن تختبئ خلف الصمت، لكنها بقيت تعمل.
وهذه ليست بطولة إعلامية. هذه بطولة يومية.
مريم البسام كتبت عن أمل شعبان فأضاءت جانبًا من قصتها.
لكن قصة أمل أكبر من أن تختصر في واقعة توقيف، وأكبر من أن تختصر في قرار تعيين، وأكبر من أن تختصر حتى في منصبها الجديد.
قصة أمل هي قصة امرأة قالت لها الأيام إن الطريق لن يكون سهلًا، فأجابتها بالفعل لا بالكلام: سأكمل.
وهنا تكمن قيمتها الحقيقية.
ليس لأنها لم تمرّ بالعاصفة، بل لأنها مرّت بها وبقيت واقفة.
ليس لأنها لم تُمسّ سمعتها، بل لأنها لم تسمح لما مرّ بها أن يحدد من تكون.
وليس لأنها ابنة هذه المنطقة أو تلك، بل لأنها ابنة تعبها، وخبرتها، وكرامتها، وعائلتها.
وفي زمن أصبح فيه بعض الناس يربحون مواقعهم بالكلام، تصبح قيمة الموظف الذي يراكم سنوات العمل بصمت أكبر.
وفي زمن تُرفع فيه شعارات النزاهة على المنابر، تصبح قيمة من عاشها في حياته المهنية أكبر.
لذلك، حين تصل أمل شعبان إلى مكتبها في عكار، لا ينبغي أن ينظر إليها أحد باعتبارها “ابنة رأس بعلبك”.
ولا باعتبارها “المرأة التي أوقفت يومًا”.
ولا حتى باعتبارها “رئيسة دائرة الامتحانات السابقة”.
لتدخل المكتب باسمها فقط:
أمل شعبان ،موظفة عرفت الإدارة ،امرأة واجهت المحنة، أمّ حملت وجعها بصمت ،وإنسانة أثبتت أن بعض العواصف لا تسقط أصحابها ،بل تكشف معدنهم.



