
«سيرة الأحمر» لآن كارسون: حين يكتب «الوحش» حكايته بنفس بقلم: فاتن مرتض
ماذا لو لم يكن الوحش وحشًا، بل كائنًا لم يجد أحدٌ الوقت الكافي للإصغاء إلى حكايته؟ وماذا لو كانت الأسطورة، التي اعتدنا أن نقرأها من جهة المنتصر، تخفي في الجهة الأخرى حياةً كاملة من الخوف والرغبة والانكسار؟
من هذين السؤالين، يمكن الاقتراب من رواية «سيرة الأحمر» للكاتبة والشاعرة الكندية آن كارسون، الحائزة على جائزة نوبل للأدب لعام 2026. في هذا العمل الصادر عام 1998، تمزج كارسون الشعر بالسرد، وتعيد تخيّل أسطورة يونانية قديمة، مانحةً شخصية جريون فرصةً لم تتح لها في الحكاية الأصلية: أن تروي حياتها من الداخل، بعيدًا عن الأحكام التي اختزلتها في صورتها الأسطورية.
في الأسطورة القديمة، يظهر جريون كائنًا أحمر مجنّحًا يقتله هيراكليس في سياق إحدى مغامراته البطولية. أمّا عند كارسون، فلا يعود مجرّد عقبة أمام البطل، بل يصبح مركز الحكاية ووعيها الإنساني. إنّ انتقاله من هامش الأسطورة إلى قلب الرواية ليس مجرّد لعبة سردية، بل هو مرآة نرى فيها واقعًا يُدفع فيه كلّ من يختلف عن المألوف إلى الهامش، ويُحكم عليه من ظاهره، من دون التفات إلى عالمه الداخلي.
تحوّل كارسون هيئة جريون الفريدة إلى علامة تتجاوز حدود الجسد ، فالأحمر لا يعود لونًا يميّزه فحسب، بل يصبح مدخلًا لقراءة وجوده وهويته. إنّه لون الاحتراق الداخلي وفرط الحساسية، ولعلّه أيضًا لون الاختلاف الذي يفضح صاحبه في عالم يميل إلى المألوف ويخشى ما يخرج عن معاييره.
جريون، بأجنحته ولونه الأحمر، لا يستطيع أن يمرّ في العالم من دون أن يلفت الانتباه، ومع ذلك لا يضمن له هذا الحضور المرئي أن يكون مفهومًا. تضعنا كارسون أمام أحد أشكال العزلة الأكثر قسوة: أن يراك الجميع، من دون أن يراك أحد حقًّا. فالأحمر يغدو علامةً على هوية لا يستطيع صاحبها الانفصال عنها، ولا التحكم في الطريقة التي يتلقّاها بها الآخرون. ومن هنا تتجاوز الحكاية غرابة الشخصية لتلامس واقع الإنسان الذي يُختزل في مظهره، ويُحاصر داخل تصنيفات جاهزة لا تترك مجالًا لاكتشاف حقيقته.
غير أنّ كارسون لا تحصر هذه التجربة في علاقة الفرد بالمجتمع، بل تنقلها إلى أكثر مناطق الحياة حميميةً وهشاشة: الحب. يقع جريون في حب هيراكليس، الشاب الذي يحمل اسم البطل الأسطوري، وتنشأ بينهما علاقة عاطفية تكشف ارتباك المراهقة، واكتشاف الجسد، والخوف من الانكشاف، والألم الناجم عن التعلّق بشخص لا يبادل الحب بالعمق نفسه.
لا يمحو هذا الحبّ اختلاف جريون، ولا يعوّض جراحه السابقة، بل يكشف هشاشته ويضعه أمام المسافة الفاصلة بين ما يرغب فيه وما يستطيع الحصول عليه. فهيراكليس، الذي يستمد اسمه من إرث البطولة، لا يصبح مصدرًا للخلاص، بل يبدو أقل قدرة على مبادلة جريون عمق تعلّقه. وفي المقابل، يكشف جريون، الذي وضعته الأسطورة في موضع «الوحش»، عن قدرة عميقة على الإحساس والتأمل والتعلّق. هكذا تنتقل البطولة من ميدان الفعل الخارجي إلى امتحان أكثر حميمية: كيف نواجه ضعفنا حين لا يستطيع الحب أن يمنحنا ما نريد؟
لكن الرواية لا تجعل من جريون ضحيةً بلا إرادة، ولا تقدّم ألمه بوصفه نهاية مغلقة. فاهتمامه بالتصوير الفوتوغرافي يفتح أمامه نافذةً جديدة للتعامل مع العالم. من خلال الكاميرا، يمتلك جريون زاوية النظر، ويتحوّل من موضوع تتأمله عيون الآخرين إلى صاحب نظرة يختار ما يراه وكيف يراه. يصبح الفن وسيلةً لاستعادة شيء من السيطرة على التجربة، وإعادة ترتيب ما تعذّر فهمه في لحظته. فالتعبير ليس ترفًا هنا، بل محاولة للقبض على الذات حين تبدو الحياة أكبر من قدرة الكلمات على تفسيرها.
وتكتسب هذه الفكرة دلالةً إضافية في عمل يمزج الشعر بالسرد، ويعيد بناء الأسطورة داخل عالم حديث. لا تستعيد كارسون الماضي لتكرّره، بل لتغيّر زاوية النظر إليه . فالأسطورة نفسها تتبدّل حين يُمنح الصوت لمن بقي طويلًا أسير رواية الآخرين. ومن خلال هذا التداخل بين القديم والحديث، وبين الشعر والحكاية، تتحوّل الكتابة إلى مساحة لاختبار الهوية، وإعادة النظر في الحدود التي تفصل البطل عن الوحش، والقوة عن الهشاشة، والاختلاف عن المألوف.
إنّ «سيرة الأحمر» ليست مجرّد إعادة صياغة لمصير شخصية أسطورية، بل قراءة إنسانية للحب غير المتكافئ، وللشغف الذي يصطدم بالجفاء، وللشجاعة المطلوبة كي يعترف الإنسان باختلافه ويصوغ حكايته بصوته الخاص. فقوة جريون لا تكمن في التخلّص من العلامة التي تميّزه، بل في الانتقال من كونه موضوعًا لنظرات الآخرين إلى ذات تحاول أن تفهم نفسها وتعبّر عنها.
في النهاية، تصبح الرواية دفاعًا عن حقّ الفرد في أن يكون أكثر من صورته، وعن حقّ الحكاية في أن تُروى من الجهة التي أُقصيت طويلًا. وربما لم يكن انتصار جريون الأهم أن يتخلّص من أحمره، بل أن يتوقّف عن كونه مجرّد علامة في حكاية الآخرين، وأن يغدو ذاتًا تمتلك حقّ الكلام والفعل. عندها لا يعود «الوحش» نقيض الإنسان، بل يصبح سؤالًا نطرحه على أنفسنا كلّما حكمنا على المختلف من دون أن نحاول فهمه.
فاتن مرتضى
كاتبة وناقدة لبنانية




