
فلامنكو»… حين ترقص القصيدة فوق جمر المعنى قراءة نقدية في «فلامنكو – ومضات شعرية» لبسّام موس
فاتن مرتضى
ليس من السهل أن تكتب عن كتابٍ يقوم على الومضة. فالنص القصير لا يمنح قارئه وقتًا طويلًا للاستقرار في المعنى، بل يضعه أمام صورة خاطفة، أو مفارقة مباغتة، أو جملة تفتح بابًا على أسئلة أكبر من حجمها. وفي «فلامنكو – ومضات شعرية»، يختار بسّام موسى هذا الشكل المكثّف ليقدّم نصوصًا تتأرجح بين الحب والوطن، وبين الجمال والوجع، وبين ما تقوله اللغة وما تتركه للمتلقي كي يكتشفه.
منذ العنوان، يستدعي «فلامنكو» إيقاعًا حارًّا، تتداخل فيه الحركة مع الانفعال، ويصبح الجسد لغةً أخرى للتعبير. غير أنّ الرقص هنا ليس احتفالًا خالصًا ، إنه حركة فوق أرضٍ ملتهبة، حيث تتجاور الرغبة مع الألم، ويغدو الشعر محاولةً لانتزاع الجمال من واقعٍ لا يكفّ عن إنتاج الخيبات. هكذا يبدو العنوان مفتاحًا لقراءة الكتاب، ليس بوصفه مجموعة ومضات متفرقة فحسب، بل باعتباره إيقاعًا داخليًا تتناوب فيه الرقة والتمرّد.
في النصوص التي تستدعي الماء، تتجلّى قدرة الشاعر على تحويل العنصر الطبيعي إلى مساحة دلالية تتجاوز حضوره المادي. فالماء ليس خلفيةً للصورة، بل لغة تتشكّل منها المشاعر، وتتحرّك عبرها الذاكرة والرغبة. وفي قوله: «الغيم قاموس المطر»، يختصر موسى علاقةً بين الغيم وما يحمله من احتمالات، وبين المطر بوصفه ترجمةً لما يختزنه الغيم. إنها صورة تقوم على الاقتصاد اللغوي، وتمنح القارئ مساحةً للتأويل.
وتتّسع هذه الصور في مقاربته للبحر، حيث يتحوّل إلى مرآةٍ للذات ومجالٍ للحنين. وفي عبارة «كلُّ قصائد البحر فيك إلا الملح»، تتجاور الصورة صورٌ شعرية جميلة تجمع بين رهافة الوجدان وحرارة العشق، وكأنّ البُعد لا يُطفئ الحب، بل يزيده اشتعالًا.
مع المفارقة ، فالملح، الذي يشكّل جزءًا أصيلًا من البحر، يصبح استثناءً يكشف عن رغبة في تخيّل المحبوب خارج القسوة والمرارة. إنّها ومضة تستمدّ أثرها من التناقض بين ما نعرفه عن الأشياء وما يعيد الحب تشكيله في المخيلة.
أما المرأة، فلا تظهر في الكتاب موضوعًا للغزل التقليدي وحده، بل تتحوّل إلى صورة تتداخل فيها القصيدة بالجسد، واللغة بالرغبة. يقول الشاعر: «لأنكِ سمراء القصيدة، سأضمّكِ صورةً صورةً وأنا أرتّب قافية الجدائل». هنا يجعل موسى الكتابة نفسها فعل اقتراب واحتضان . فالقافية ليست نهاية صوتية للبيت، بل حركة تتلمّس تفاصيل الصورة، فيما تتحوّل الجدائل إلى إيقاع بصري يشارك اللغة في بناء المشهد.
ويقول في ومضة أخرى: «أحذر القصيدة لأقبل شفتيها، لأنها وعرة المسالك». في هذه العبارة تتداخل الكتابة بالعشق، وتصبح القصيدة كائنًا مرغوبًا ومخيفًا في آنٍ واحد. فالوصول إلى الجمال مغامرة تحتاج إلى جرأة، تمامًا كما تحتاج الكتابة إلى الاقتراب من مناطقها الملتبسة. غير أنّ هذا التداخل بين المرأة والقصيدة يبلغ أثرًا أعمق حين يتجاوز الصورة الغزلية إلى اكتشاف علاقة الإنسان باللغة وبما يعجز عن قوله مباشرة.
ولا ينحصر عالم «فلامنكو» في الحب والطبيعة. فالوطن والفقر والفساد حاضرة في نسيج الكتاب، لتكشف عن حساسية شاعر لا يفصل التجربة الشخصية عن محيطها الاجتماعي. يقول: «ينام الجوع في دموع الفقراء، ويستيقظ في ضجيج صمتهم». في هذه الصورة مفارقة موجعة ، فالجوع يتخفّى في الدموع ثم يعود ليظهر في الصمت الذي يملأ حياة المهمّشين. ويمنح الشاعر الصمت ضجيجًا، في مفارقة تكشف أنّ ما لا يُقال قد يكون أبلغ مما يعلو من أصوات.
وفي مخاطبته للوطن، يقول: «وطني! أسكنك شفافةً غيمًا تبرّد وجع الأمكنة». يتخذ الانتماء هنا هيئةً شعرية رقيقة، ويصبح الوطن مكانًا يسكن الروح بقدر ما تسكنه الروح. لكنّ هذا الحسّ الوجداني يتجاور أحيانًا مع عبارات سياسية مباشرة، كما في قوله: «الفسادُ سجنٌ، والسياسةُ جاريةُ الشياطين…». وتكشف هذه المباشرة عن موقف واضح من الواقع، وإن كانت الصورة الشعرية تبلغ ذروة تأثيرها حين تترك للرمز والمفارقة أن يحملا الموقف، بدل أن يتحوّل النص إلى إعلان صريح عنه. فالشعر لا يفقد حقه في الاحتجاج حين يلمّح، بل قد يضاعف قوته حين يجعل القارئ شريكًا في اكتشاف المعنى.
وفي ومضات الغياب والزمن، تتقدّم النبرة نحو تأمّل أكثر هدوءًا. يقول موسى: «ما زال الوقت يغسل غيابك…». هنا يتحوّل الوقت من مقياسٍ محايد إلى فعلٍ مستمر، كأنّه يحاول تطهير الذاكرة من أثر الغائب، من دون أن ينجح في محوه. وهذه القدرة على إضفاء الحركة على المعاني المجرّدة من أبرز وسائل الشاعر في بناء ومضاته . إذ يمنح الوقت فعلًا، ويجعل الغياب أثرًا يمكن الإحساس به.
ولا يغيب عن الكتاب وعيه باللغة بوصفها أداةً قابلة للانفلات من يد صاحبها. ففي قوله: «لا تدع اللغة تضغط على عنق المعنى فيختنق النص»، يضع موسى إصبعه على إحدى المعضلات الأساسية في الكتابة: كيف تكون اللغة جميلة من دون أن تستعرض جمالها على حساب الفكرة؟ وكيف تحافظ الومضة على كثافتها من دون أن تتحوّل إلى لغز مغلق؟ وهي أسئلة ضرورية في تجربة تقوم على الاختزال، حيث تصبح كل كلمة مسؤولة عن وزنها وموقعها وأثرها.
إنّ «فلامنكو – ومضات شعرية» كتاب تتعدّد مداخله، من الماء والمرأة إلى الوطن والغياب، وتجمعها رغبة في القبض على لحظة إنسانية عابرة ومنحها حياةً أطول داخل اللغة. وتكمن قوته في الصور التي تفتح المعنى ولا تستنفده، فيما تحتاج بعض نصوصه، حين تميل إلى التصريح أو تتكاثر فيها الاستعارات، إلى مزيد من الاقتصاد والتخفّف، كي تتقدّم الفكرة بصفاء أكبر.
في النهاية، لا يطلب منّا بسّام موسى أن نقرأ الومضة بوصفها نصًّا ينتهي عند آخر كلمة، بل أن نتابع رقصها في داخلنا بعد الفراغ منها. وربما هنا تكمن دلالة «فلامنكو»: أن ترقص القصيدة، ليس لأنها تجهل الجرح، بل لأنها تعرفه جيدًا، وتصرّ رغم ذلك على تحويله إلى إيقاع، وعلى إبقاء الجمال ممكنًا فوق جمر المعنى.
كاتبة وناقدة لبنانية



