من الشراكة الاستراتيجية إلى آفاق الاستثمار: السفير السعودي الجديد يوسّع حراكه الدبلوماسي في باكستان
لقاءات في لاهور تجمع الأمن والتجارة والاستثمار والسياحة، وتؤكد متانة العلاقات السعودية–الباكستانية

الكاتب: د. عبد الله خلوف
لاهور – 21 أكتوبر 2026
في تحرك دبلوماسي يجمع بين ترسيخ الشراكة الاستراتيجية وفتح آفاق أوسع للتعاون الاقتصادي، أجرى سفير خادم الحرمين الشريفين المعين حديثًا لدى جمهورية باكستان الإسلامية، الدكتور راجح بن طامي البقمي، سلسلة لقاءات في مدينة لاهور يومي 20 و21 أكتوبر الجاري، شملت رئيسة وزراء إقليم البنجاب مريم نواز شريف وحاكم الإقليم سردار سليم حيدر خان، إلى جانب زيارة ثقافية لمتحف العلامة محمد إقبال، أحد أبرز رموز الفكر والأدب في باكستان.
وتعكس هذه اللقاءات تعدد مسارات العلاقات السعودية–الباكستانية، التي لا تقتصر على الروابط التاريخية والدينية والتنسيق السياسي والأمني، بل تمتد إلى التجارة والاستثمار والأمن الغذائي والسياحة والتبادل الثقافي، في وقت يسعى فيه البلدان إلى توسيع مجالات التعاون وتحويل العلاقات الوثيقة إلى فرص اقتصادية وتنموية أوسع.
البنجاب والسعودية: من العلاقات الراسخة إلى فرص اقتصادية جديدة
في أبرز لقاءات زيارته إلى لاهور، اجتمع السفير البقمي برئيسة وزراء إقليم البنجاب مريم نواز شريف، يوم الأربعاء 21 أكتوبر، لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع التعاون التجاري والاستثماري.
وتناول اللقاء إمكانات البنجاب في زيادة صادراتها إلى السوق السعودية، خصوصًا في قطاعات الثروة الحيوانية واللحوم والدواجن والمنتجات الزراعية، إلى جانب بحث فرص جذب الاستثمارات السعودية إلى الإقليم وتشجيع السياحة السعودية إلى وجهاته التاريخية والثقافية.
وبرز خلال المباحثات هدف طموح لزيادة صادرات البنجاب من مجموعة من المنتجات، تشمل المواشي واللحوم والدواجن والمانجو واليوسفي والبطاطا والروبيان، إلى أكثر من 500 مليار روبية باكستانية. كما ناقش الجانبان تنظيم فعالية ترويجية استثمارية في الرياض للتعريف بالفرص المتاحة في الإقليم واستقطاب المستثمرين السعوديين.
ويمثل هذا التوجه فرصة لتعزيز التكامل الاقتصادي بين الجانبين؛ إذ تمتلك البنجاب قاعدة زراعية وإنتاجية واسعة، فيما تتيح السوق السعودية مجالًا لتوسيع الشراكات التجارية وتطوير سلاسل الإمداد الغذائي. ويمكن للتعاون في هذه القطاعات أن يسهم في تنويع المبادلات التجارية، وفتح قنوات جديدة أمام المنتجين والمصدرين الباكستانيين.
وأكدت مريم نواز شريف، خلال اللقاء، تقدير باكستان للدعم الاقتصادي والمالي السعودي، مشددة على أهمية العلاقات التي تجمع البلدين. كما دعت السعوديين إلى زيارة الوجهات السياحية في البنجاب، مستعرضة ما يتمتع به الإقليم من إرث تاريخي وثقافي ومقومات سياحية.
من جانبه، أكد السفير البقمي عمق العلاقات الأخوية والاستراتيجية بين المملكة وباكستان، والتزامه بالعمل على تعزيز التعاون في مختلف المجالات. وأشاد بما تتمتع به البنجاب من مقومات ثقافية وسياحية، وبما تتميز به لاهور من ضيافة ومطبخ وتراث حضاري.
ويمنح هذا المسار الاقتصادي العلاقات الثنائية بعدًا عمليًا إضافيًا، عبر التركيز على فرص قابلة للتطوير في التجارة الزراعية والأمن الغذائي والاستثمار والسياحة، بدل الاكتفاء بالتأكيد على متانة العلاقات السياسية.
حاكم البنجاب: تأكيد الروابط الأخوية والتعاون المشترك
وفي إطار لقاءاته في لاهور، استقبل حاكم إقليم البنجاب سردار سليم حيدر خان السفير السعودي في مقر حاكم الإقليم، حيث بحث الجانبان القضايا ذات الاهتمام المشترك وسبل تعزيز العلاقات الثنائية.
وأكد حاكم البنجاب عمق الروابط الأخوية والروحية التي تجمع الشعبين السعودي والباكستاني، مشيرًا إلى وقوف البلدين إلى جانب بعضهما في مختلف الظروف. كما شدد على أهمية اتفاقية مكة للدفاع المشترك بوصفها خطوة مهمة في تعزيز التعاون الإقليمي، موضحًا أن التعاون بين باكستان والسعودية وتركيا يستهدف دعم السلام والأمن والاستقرار في المنطقة.
وجدد الجانب الباكستاني تأكيد وقوفه إلى جانب المملكة في حماية سيادتها وأمنها وكرامتها، فيما أعرب السفير البقمي عن تقديره لما أبداه حاكم الإقليم من مشاعر أخوية، مؤكدًا الحرص على تعزيز التعاون بين البلدين في مختلف المجالات.
ويكتسب هذا اللقاء أهمية في ضوء الدور السياسي والاقتصادي الذي يؤديه إقليم البنجاب، بوصفه أحد أبرز مراكز النشاط السكاني والإنتاجي والتجاري في باكستان، وما يتيحه من فرص لتوسيع الشراكات مع المستثمرين والشركات السعودية.

الدبلوماسية الثقافية: محطة في متحف العلامة محمد إقبال
ولم تقتصر زيارة السفير السعودي إلى لاهور على اللقاءات الرسمية، بل شملت محطة ثقافية تمثلت في زيارة متحف العلامة محمد إقبال، المفكر والشاعر الذي يحتل مكانة محورية في التاريخ الفكري والوطني الباكستاني.
واطلع السفير خلال الزيارة على مقتنيات المتحف وما يوثقه من محطات في حياة إقبال ومسيرته الفكرية والأدبية، كما سجل كلمة في سجل الزيارات.
وتحمل هذه الزيارة دلالة تتجاوز إطار المجاملة البروتوكولية، إذ تعكس أهمية التعرف إلى تاريخ باكستان ورموزها الثقافية بوصفه أحد مسارات تعزيز التواصل بين الشعبين. فالعلاقات المستدامة لا تقوم على المصالح السياسية والاقتصادية وحدها، بل تستفيد كذلك من فهم متبادل للثقافة والتاريخ والهوية الوطنية.
وتتيح مثل هذه المحطات الثقافية مجالًا لتعميق الروابط الشعبية، وتوسيع الاهتمام المتبادل بالتراث والسياحة، بما يكمل مسارات التعاون الرسمي والتجاري.

من إسلام آباد إلى راولبندي ولاهور: حراك دبلوماسي متعدد المسارات
تأتي لقاءات لاهور امتدادًا لسلسلة من الاجتماعات التي عقدها السفير البقمي مع كبار المسؤولين الباكستانيين منذ بدء مهامه الدبلوماسية.
ففي 14 أكتوبر، قدم السفير أوراق اعتماده إلى الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري في إسلام آباد. وشكلت المناسبة محطة رسمية لبدء مهامه سفيرًا للمملكة، ونقل تحيات القيادة السعودية إلى القيادة الباكستانية، والتأكيد على مواصلة تعزيز العلاقات بين البلدين.
وفي 16 أكتوبر، استقبله رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد، مرحبًا به ومتمنيًا له النجاح في مهمته. وتناول اللقاء تطور العلاقات الثنائية وسبل توسيع التعاون المؤسسي في مختلف المجالات. كما أكد شريف وقوف باكستان إلى جانب المملكة في حماية سيادتها وأمنها وسلامة أراضيها، وأدان تصاعد الهجمات الحوثية على السعودية وما نتج عنها من خسائر بشرية وإصابات، بينها مواطنون باكستانيون. وأشار كذلك إلى اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المتبادل واتفاقية مكة للدفاع المشترك باعتبارهما محطتين مهمتين في العلاقات بين البلدين.
وفي اليوم نفسه، التقى السفير نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار في مقر وزارة الخارجية. وأكد دار عمق الروابط الأخوية والشراكة الاستراتيجية بين البلدين، والالتزام المشترك بتعزيز التعاون لتحقيق التقدم والازدهار المتبادل. كما تبادل الجانبان تحيات القيادة السعودية والقيادة الباكستانية.
وفي 19 أكتوبر، استقبل مقر القيادة العامة للجيش الباكستاني في راولبندي السفير السعودي في لقاء مع المشير سيد عاصم منير، قائد قوات الدفاع ورئيس أركان الجيش. وبحسب ما أعلنته الجهات العسكرية الباكستانية، تناول الاجتماع القضايا ذات الاهتمام المشترك والتطورات الأمنية الإقليمية، وأعرب الطرفان عن ارتياحهما للتقدم المحرز في إطار اتفاقية مكة للدفاع المشترك، مؤكدين أهمية تعزيز التعاون الدفاعي والروابط المؤسسية والتنسيق الاستراتيجي.
وتظهر هذه اللقاءات، بتعدد مستوياتها السياسية والدبلوماسية والعسكرية والإقليمية، اتساع نطاق التواصل السعودي–الباكستاني. كما تعكس حرص الجانبين على الحفاظ على قنوات تنسيق منتظمة، ومواصلة البناء على الشراكة القائمة في المجالات الأمنية والاقتصادية والسياسية.
شراكة تتطلع إلى آفاق أوسع
تأتي التحركات الدبلوماسية للسفير السعودي الجديد في مرحلة تتزايد فيها أهمية تحويل العلاقات الثنائية الراسخة إلى مجالات أوسع من التعاون الاقتصادي والاستثماري، مع استمرار التنسيق بشأن قضايا الأمن والاستقرار الإقليميين.
وتبرز لاهور والبنجاب في هذا السياق بوصفهما مجالًا مهمًا لاستكشاف فرص التجارة الزراعية والأمن الغذائي والسياحة والاستثمار، في حين تظل اللقاءات مع القيادة السياسية والخارجية والعسكرية في إسلام آباد وراولبندي ركيزة للتواصل الاستراتيجي بين البلدين.
ومن شأن الجمع بين هذه المسارات أن يتيح فرصًا لتعزيز العلاقات على مستويات متعددة: من تنسيق المواقف السياسية والأمنية إلى فتح أسواق جديدة، ومن تشجيع الاستثمار إلى تعميق التفاهم الثقافي بين الشعبين.
وبينما تتواصل هذه اللقاءات في بداية مهمة السفير البقمي، تبرز الأولوية المشتركة المتمثلة في الحفاظ على قوة الشراكة السعودية–الباكستانية، وتوسيع مجالاتها بما يخدم المصالح المتبادلة ويدعم التنمية والاستقرار.



