
حفتر يُقابلُ التّشاؤمَ بالتّفاؤلِ.. هناكَ إرادةٌ سياسيّةٌ للتّغييرِ
منذُ استقلالِ ليبيا عام 1951، لم تُتَبَنَّ أيُّ رؤيةٍ وطنيّةٍ شاملةٍ، جلُّ ما في الأمرِ أنّه كانت هناكَ مجموعةٌ من الخُططِ التّنمويّةِ التي سعتْ إلى تقديمِ أبرزِ الجوانبِ الخدماتيّةِ مثلَ التّعليمِ والصّحةِ وغيرِها. وبعد مرورِ أكثرَ من سبعةِ عقودٍ، باتتْ الحاجةُ مُلِحّةً لتطبيقِ رؤيةٍ مستقبليّةٍ لليبيا، تقوم على خَلقِ مجتمعٍ يَعتزُّ بهُويّتِه العربيّةِ، يكونُ فيه كلُّ فردٍ قادرًا على تحقيقِ ذاتِه، كلٌّ وِفقَ خياراتِه وإمكاناتِه، وأن يتمتّعَ أبناؤهُ بحقوقهِمْ، ويتساوونَ أمام القانونِ، وينعَمُون بمستوى معيشيٍّ يتناسبُ ومواردَ وطنهِمْ وحجمَ مشاركتهِم في الإنتاجِ.
وفي ظلِّ سيطرةِ التّشاؤمِ على أفرادِ المجتمعِ اللّيبيِّ، وهيمنةِ الأيديولوجيا والدّولةِ على مؤسّساتِ المجتمعِ المدنيِّ، وغيابِ الدّستورِ وضُعفِ سيادةِ القانونِ وهشاشةِ المؤسّساتِ واستمرارِ الفسادِ الماليِّ والإداريِّ، يُطلِقُ الدّكتورُ الصّدّيق حفتر سيناريو منَ التّفاؤلِ القائمِ على ثقافةِ النّهوضِ والتّنميةِ المُستدامةِ، ويرتكزُ على افتراضِ مجموعةٍ منَ العواملِ الإيجابيّةِ، مِن خلالِ وجودِ إرادةٍ سياسيّةٍ داعمةٍ للتغييرِ، تبني مفهومَ الأمنِ الإنسانِّي، وتعملُ على ترسيخِ الدّيمقراطيّةِ، مع إبرازِ الدّورِ الجديدِ للدّولةِ وللقطاعِ الخاصِّ. ويشيرُ الدّكتورُ حفتر إلى ضرورةِ “تعديلِ الدّستورِ لتحديدِ اختصاصاتِ مؤسّساتِ الدّولةِ، ووجودِ قضاءٍ مُستقلٍّ ونزيهٍ، وبيئةٍ اقتصاديّةٍ وسياسةٍ تشريعيّةٍ جاذبةٍ للاستثمارِ الخارجيِّ، وإلى اتّساعِ مساحةِ التّعبيرِ وحريّةِ الصّحافةِ والشّفافيةِ، واعتمادِ مبدأِ المحاسبةِ العادلةِ”.
وإذا كان غيابُ رؤيةٍ اقتصاديّةٍ واجتماعيّةٍ وطنيّةٍ مشتركةٍ للدّولةِ والمجتمعِ، مِن أبرزِ التّحدّياتِ التي قوّضتْ التطوّرَ في ليبيا بكافّةِ أشكالِه، فلا بدَّ من إيجادِ وتطويرِ حلولٍ غيرِ تقليديّةٍ تتماشى مع الظّروفِ الاستثنائيّةِ فيها، وفي طليعتِها التحوّلُ إلى اقتصادٍ مُنتجٍ مبنيٍّ على الكفاءةِ الإنتاجيّةِ، وإعطاءُ دورٍ أكبرَ للقطاعِ الخاصِّ في العمليّةِ التنمويّةِ مع التّركيزِ على تنميةِ الاقتصادِ المحليِّ في المناطقِ الهشّةِ لكنْ الغنيّةُ في المواردِ، ومنحُ البلديّاتِ صلاحياتٍ واسعةً. وفي هذا الصّددِ يُركّزُ الدّكتورُ حفتر على “الليبيِّ الإنسانِ الذي يعاني منَ العنفِ والحرمانِ وتأمينِ الحدِّ الأدنى مِن احتياجاتِه الأساسيّةِ”.
كثيرةٌ هي التّحدياتُ الاقتصاديّةُ والاجتماعيّةُ التي تُعيقُ تقدُّمَ ليبيا واستمرارَها، وفي طليعتِها الاعتمادُ المفرِطُ على النّفطِ، ما يجعلُ الاقتصادَ عرضةً للتقلُّباتِ في أسعارِ الطاقةِ العالميّةِ، وغيابِ التّنويعِ الاقتصاديِّ، وضُعفِ باقي القطاعاتِ لاسيما الزراعةُ والصناعةُ والسّياحةُ، إضافةً إلى الدّمارِ الذي لحقَ بالطّرقِ وشبكاتِ الكهرباءِ والمياهِ والاتّصالاتِ فضلًا عن غيابِ الاستقرارِ الماليِّ وارتفاعِ الدّينِ العامِّ والتضخّمِ.
كما يشيرُ الدّكتورُ حفتر “إلى الانقسامِ المجتمعيِّ والتّوتُّراتِ القَبليّةِ النّاتجةِ عن الصّراعاتِ السياسيّةِ، وضُعفِ الوِحدةِ الوطنيّةِ، وغيابِ ثقافةِ الحِوارِ والتّسامحِ، إضافةً إلى ضُعفِ الخدماتِ العامّةِ وتزايُدِ معدّلاتِ الفقرِ”، مؤكِّدًا “أنَّ الحاجَةَ باتت ضروريّةً لمعالجةِ أزمةِ النّزوحِ، وتحسينِ جودةِ التّعليمِ والرّعايةِ الصحيّةِ، والحدِّ مِن مسألةِ الهجرةِ غيرِ الشّرعيّةِ، وما يتبعُها مِن أعباءٍ اجتماعيّةٍ وأمنيّةٍ، وضرورةِ تقويةِ دورِ المرأةِ والشّبابِ في مجالاتِ العملِ والمشاركةِ السّياسيّةِ”.
ويبقى تعزيزُ الاستقرارِ السياسيِّ والأمنيِّ في طليعةِ الأولويّاتِ للنّهوضِ بليبيا، وتعزيزِ المصالحةِ الوطنيّةِ لمعالجةِ الانقساماتِ الاجتماعيّةِ، كلُّ تلكَ الجهودِ ضروريّةٌ لتجاوزِ التّحدّياتِ، ووضعِ ليبيا على الطّريقِ الصّحيحِ مِن أجلِ الوصولِ إلى الاستقرارِ المنشودِ.