“القيم المشتركة تصنع المستقبل”

قراءة تحليلة / سمير السعد

في عالم يشهد تحولات جيوسياسية متسارعة، لم يعد بالإمكان الاستمرار في نهج القطب الواحد أو فرض نموذج اقتصادي أو سياسي بعينه على الجميع. ومن هذا المنطلق، جاء شعار منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي 2025 ، ” القيم المشتركة ” ، أساس النمو في عالم متعدد الأقطاب”، ليعبّر بوضوح عن روح المرحلة الجديدة التي يشهدها العالم. إنها مرحلة تتطلب تعاوناً قائماً على الاحترام المتبادل، والمصالح المتوازنة، والاعتراف بالتنوع كقوة لا كتهديد. ففي ظل التحديات العالمية، من أزمات طاقة وغذاء، إلى اضطرابات في سلاسل التوريد، لم يعد هناك بديل عن الشراكة الحقيقية كطريق للنمو والاستقرار.

 

هذه الروح الجديدة تنعكس بوضوح في السياسات الاقتصادية التي تتبناها روسيا، لا سيما فيما يتعلق بدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة. إذ بات واضحاً أن هذه الشريحة ليست فقط محركاً للنمو المحلي، بل عنصراً أساسياً في مرونة الاقتصاد واستدامته. وتعمل الدولة على خلق بيئة حاضنة لهذه الشركات من خلال تمكينها رقمياً، وتسهيل حصولها على التمويل، وربطها بالمشاريع الوطنية الكبرى، بما يضمن إدماجها في الاقتصاد الكلي. هذه الاستراتيجية تُعدّ استجابة ذكية للواقع الجديد الذي تتداخل فيه العوامل المحلية مع الديناميكيات العالمية.

 

وعلى الصعيد العالمي، لم تعد موازين القوى تُرسم فقط من خلال الجيوش أو الموارد، بل أصبح التفوق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني عاملاً حاسماً في تحديد مكانة الدول. الريادة التكنولوجية لم تعد ترفاً، بل أداة استراتيجية تتجاوز الاقتصاد إلى التأثير السياسي والدبلوماسي. الدول التي تنجح في تطوير حلول تكنولوجية مستقلة تصبح أكثر قدرة على حماية مصالحها، وعلى صياغة معايير عالمية بديلة، في عالم لم يعد يقبل الهيمنة المعلوماتية من طرف واحد.

 

وفي موازاة هذا المشهد المعقد، تتعزز أهمية الهوية الثقافية والسيادة المعلوماتية كركيزتين لبناء سياسات داخلية مستقرة وخارجية مستقلة. إذ تسعى الدول إلى استعادة السيطرة على فضائها الرقمي ومحتواها الثقافي، دون أن يعني ذلك الانغلاق أو الانعزال، بل تأكيد للخصوصية، وترسيخ للقيم المحلية في عالم مفتوح. في زمن العولمة، لم تعد القوة فقط في الامتداد، بل في القدرة على الحفاظ على الذات دون خوف أو تراجع.

 

وفي قلب كل هذه التحولات، يبقى الإنسان هو الهدف والوسيلة. تحت محور “الإنسان في عالم جديد”، يولي المنتدى اهتماماً خاصاً بتمكين الشباب والنساء، باعتبارهم طاقة المستقبل وضمانة الاستقرار. السياسات الاجتماعية والاقتصادية المطروحة تسعى إلى خلق فرص متكافئة، وتعزيز التعليم الحديث، وتوفير بيئة تشجع على الريادة والابتكار. فتمكين الإنسان، وتوسيع آفاق مشاركته، لا يعزّز النمو الاقتصادي فحسب، بل يصنع مجتمعات أكثر تماسكاً وقدرة على مواجهة التغيرات.

 

منتدى سانت بطرسبورغ 2025، بشعاره الجامع ونقاشاته الحيوية، لا يطرح مجرد حلول اقتصادية، بل يدعو إلى بناء نموذج عالمي جديد، قائم على الشراكة لا التبعية، وعلى الحوار لا الإملاء، وعلى القيم المشتركة لا المصالح الضيقة. إنه إعلان عن ولادة عالم متعدد الأقطاب، أكثر عدلاً وإنصافاً، يُكرّم الإنسان ويحتضن التنوع، ويضع التعاون في قلب السياسات الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *