تصريح رئيس الحكومة المغربية في زمن سياسي يضيق وثقة تتآكل  

في ظهور إعلامي اختار رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش أن يطل على المواطنين عبر القناتين العموميتين مساء يومه الاربعاء 10 شتنبر 2025 في لقاء يشار اليه انه مسجل مسبقًا، متجنبًا بذلك أي مواجهة مباشرة مع الأسئلة التي تشغل الرأي العام، هذا اللقاء الذي جاء في ظرفية سياسية واجتماعية دقيقة، حيث تتزايد الانتقادات وتُطرح تساؤلات حول قدرة الحكومة على الوفاء بوعودها، مما جعل من هذا الظهور مناسبة لتقديم حصيلة أربع سنوات من العمل الحكومي واستشراف السنة الأخيرة من الولاية.

خلال اللقاء أكد رئيس الحكومة أن الأغلبية الحكومية “متماسكة ومريحة”، نافياً وجود خلافات قد تعرقل سير العمل، غير أن هذا التصريح وإن كان يهدف إلى طمأنة الرأي العام، لا يعكس بالضرورة واقع التوترات التي تظهر من حين لآخر بين مكونات التحالف، وهو ما يدفع بعض المراقبين إلى اعتبار أن الخطاب السياسي يسعى إلى تقديم صورة إعلامية أكثر انسجامًا مما هو قائم فعليًا.

وفي سياق حديثه عن المعارضة، ميّز أخنوش بين من وصفها بـ”البنّاءة” وأخرى “تبحث عن البوز”، وهو ما يمكن اعتباره تعبيرًا عن موقف انتقائي تجاه النقد، حيث يُنظر إلى بعض الأصوات المعارضة باعتبارها غير جدية، في حين يُعترف بأهمية النقد المؤسساتي من جهة أخرى، وهذا التمييز يعكس رؤية الحكومة في التعامل مع التعددية السياسية، ويطرح تساؤلات حول مدى انفتاحها على مختلف الآراء.

أما على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، فقد اتسم الخطاب بطابع دفاعي أكثر منه عملي، إذ غابت الإجراءات الجديدة لصالح إعادة التأكيد على وعود سابقة، فحديث رئيس الحكومة عن تحسن القدرة الشرائية جاء في وقت تشهد فيه الأسواق ارتفاعًا مستمرًا في أسعار المواد الأساسية، بينما تعاني الأسر، خصوصًا المنتمية للطبقة الوسطى والفئات الهشة، من تراجع واضح في قدرتها على تأمين حاجياتها اليومية، وفيما يتعلق بالدعم الاجتماعي، أشار إلى أن “حوالي 90% من الطلبات تم قبولها”، دون تقديم توضيحات حول المعايير المعتمدة أو الأثر الفعلي لهذا الدعم على الفئات المستهدفة، ما يجعل من هذا الرقم مثار تساؤل أكثر من كونه مؤشرًا دقيقًا.

وفي معرض حديثه عن ملف الماء، اعتبر أخنوش أن حكومته ورثت “إرثًا ثقيلاً” من الحكومات السابقة، مشيرًا إلى أن الوضع كان يمكن أن يصل إلى مرحلة حرجة لولا التدابير الحالية، وهذا التصريح، وإن كان يهدف إلى إبراز جهود الحكومة، يحمل في الوقت نفسه بعدًا تبريريًا، حيث يُستخدم لتفسير التأخر في بعض النتائج وربطها بالمسؤوليات السابقة.

كما أثار تصريح رئيس الحكومة حول إلغاء أضحية العيد وتحسين وضعية القطيع الوطني جدلًا واسعًا، إذ اعتبره البعض تبسيطًا مفرطًا لأزمة الفلاحة التي تعاني من تداعيات الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف، فرُبط هذا التحسن بعامل موسمي كأمطار الربيع، دون الإشارة إلى السياسات الفلاحية أو دعم الفلاحين، ما يطرح إشكاليات تتعلق بعمق المعالجة الحكومية لهذه الأزمة.

وفي ما يخص ملف السكن، أشار أخنوش إلى استفادة 56 ألف شخص من الدعم، غير أن غياب التفاصيل حول التوزيع الجغرافي أو الفئات المستفيدة يجعل من هذا الرقم غير كافٍ لتقييم مدى تأثيره على أزمة السكن، خاصة في المدن الكبرى والمناطق المتضررة من زلزال الحوز، حيث لا تزال آلاف الأسر تعيش في ظروف صعبة.

من جهة أخرى، تشير التقارير الميدانية إلى أن نسب البطالة، خصوصًا في صفوف الشباب، لم تعرف انخفاضًا ملموسًا، رغم الحديث المتكرر عن دعم التشغيل، كما أن البرامج المعلنة لم تنجح في خلق دينامية اقتصادية واضحة، ما يعمق الإحساس بالإحباط لدى فئات واسعة من المجتمع، واما بخصوص قطاع الصحة رغم الإشادة بتوسيع التغطية الصحية فلا تزال المستشفيات العمومية تعاني من نقص في الموارد البشرية والتجهيزات، وهو ما تؤكده احتجاجات متكررة تطالب بتحسين الخدمات وتوفير الأدوية.

 

وفي سياق الحديث عن الانتخابات المقبلة، رحّب رئيس الحكومة بتكليف وزارة الداخلية بالإشراف عليها، معتبرًا أن ذلك يعكس حرصًا على ضمان حياد العملية الانتخابية، كما ربط خطوات الحكومة بالإرادة الملكية، في محاولة لتأكيد أنها تتحرك ضمن الإطار المؤسساتي السليم.

فغياب الصحفيين المستقلين وممثلي المجتمع المدني عن اللقاء، إلى جانب كون مشكوك فيه مسجلًا مسبقًا، جعل منه أقرب إلى عرض دعائي منه إلى حوار سياسي شفاف، وهو ما دفع بعض المراقبين إلى اعتبار أن الحكومة فوتت فرصة حقيقية للتواصل المباشر مع المواطنين.

 

في المحصلة، يكشف هذا اللقاء عن فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي، حيث تتكرر لغة الأرقام دون تفسير كافٍ، وتُطرح تصريحات تثير الاستغراب أكثر مما تقدم إجابات، وبين محاولات الطمأنة وتبرير التأخر، يبقى السؤال مطروحًا حول قدرة الحكومة على استعادة ثقة المواطنين في سنتها الأخيرة، وهل ستتمكن من تحويل الخطاب إلى أثر ملموس في حياة الناس، أم أن هذا اللقاء سيظل مجرد محطة أخرى في مسار تواصلي لا يلامس جوهر الأزمة؟

 

المصطفى اخنيفس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *