الشرع في الرياض.. السعودية ترسم ملامح الشراكة السورية وتوازنات الأمن الإقليمي
آلاء أبو الذهب
من زاوية تحليلية، تمثل هذه الشراكة لدمشق شريان حياة حقيقي يتيح لها الخروج من العزلة وتأمين البيئة الاستثمارية اللازمة لإعادة إعمار ما دمرته السنوات الماضية. أما بالنسبة للرياض، فإن الاستثمار في استقرار سوريا هو قرار استراتيجي نابع من دراية عميقة بأن استقرار المشرق العربي هو جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي الخليجي والعربي ككل.
أبرز ملف يستحق التوقف عنده مليّاً هو إدراج التنسيق الدفاعي والأمني في صلب التفاهمات الرسمية بين البلدين. إن هذه الخطوة الجريئة تحمل دلالة سياسية بالغة الأهمية: لا استقرار بلا دولة متماسكة تحتكر السلاح والقرار الأمني.
إن دعم بناء القدرات التنظيمية والمهنية للمؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية في سوريا هو المدخل الوحيد لضمان سيادة الدولة على كامل أراضيها، وضبط حدودها، ومنع تحوّل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو ممر للتهديدات العابرة للحدود. الرياض تدرك جيداً أن تقوية مركز الدولة السورية هو الضمانة الحقيقية لمنع الفوضى واستعادة التوازن.
ومن النقاط اللافتة في جدول الأعمال، الربط المباشر بين استقرار المنطقة وسلامة الملاحة في الممرات المائية الحيوية، وحماية إمدادات الطاقة العالمية. هذا الربط يعكس رؤية ثاقبة تدرك أن أمن الشرق الأوسط وحدة واحدة لا تتجزأ.
فأي اضطراب في البحر الأحمر أو الممرات البحرية المجاورة ينعكس فوراً على التجارة العالمية واقتصادات المنطقة. ومن هنا، فإن إعادة دمج سوريا في المنظومة الإقليمية تعزز من قدرة الدول العربية على تشكيل جدار حماية ذاتي يحمي المعابر الاستراتيجية، ويحدّ من التدخّلات الخارجية التي طالما استغلت الفراغات الأمنية.
إن سوريا اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة للتعافي، لكن تحويل هذه الفرصة إلى واقع يستوجب توفير بيئة سياسية وإدارية مرنة تضمن استدامة هذه الشراكات وتحمي الاستثمارات. إن الدور السعودي اليوم يوفر مظلة عربية وإقليمية وازنة، وعلى دمشق استثمار هذا الانفتاح لبناء دولة المؤسسات وحماية سيادتها، فتاريخ المنطقة يُكتب اليوم بإرادة أبنائها ورؤيتهم المشتركة للمستقبل.



