جداريات الذاكرة… عبد الرازق عكاشة بين اليومي والكوني

د. أشرف أبو اليزيد

في ظهوره على شاشة قناة النيل الثقافية، بدا الفنان التشكيلي والروائي عبد الرازق عكاشة وكأنه لا يقدّم مجرد حديث عن معرض قادم، بل يفتح نافذة على مشروع جمالي وفكري يتجاوز حدود اللوحة إلى أفقٍ أرحب، حيث يصبح الفن كتابةً موازية للحياة.

تحت عنوان «يوميات غُرّة»، يطرح عكاشة جداريته بوصفها سجلًا بصريًا لتفاصيل العيش، لا تلك التي تُدوَّن في دفاتر الزمن، بل التي تُحسّ وتُعاش وتترسّب في الوجدان. هنا، لا تعود الجدارية مجرد سطحٍ واسع، بل تتحول إلى مساحة تتجاور فيها اللحظة العابرة مع الذاكرة العميقة، في تركيبٍ يزاوج بين الحميمي والكوني.

في حديثه، لم يُخفِ عكاشة انشغاله الدائم بفكرة الفن كأثرٍ للحياة اليومية، حيث تتبدّى التفاصيل الصغيرة—حركة الجسد، إيقاع المدينة، ظلال الذاكرة—بوصفها عناصر تأسيسية في بناء العمل الفني. ومن هذا المنظور، تبدو «يوميات غُرّة» أقرب إلى نصّ مفتوح، تُقرأ مفرداته عبر اللون والخط والتكوين، لا عبر اللغة التقليدية.

لقد تحدثت كثيرا عن عكاشة وعلاقته برمزية فلسطين والمقاومة والصمود كما مثلتهما غزة… هذه العلاقة الممتدة بين نهرين وعاصمتين … وأشكره لانه نوه باسمي بما اراه واجبا بدعم الفن الجاد ..غير أن ما يضفي على التجربة عمقها الحقيقي هو وعي الفنان بسياق فن الجداريات، ذلك الفن الذي لم يكن يومًا مجرد تزيين للجدران، بل خطابًا بصريًا عامًا، يتوجّه إلى الجماعة، ويشتبك مع قضاياها. وقد استعاد عكاشة، في إشاراته، تراث هذا الفن في مصر، حيث ارتبطت الجداريات منذ العصور القديمة بالمعنى والهوية، من جداريات المعابد إلى تجارب الفن الحديث.

وفي هذا السياق، ذكر عكاشة عددا من الاعلام الذين سعوا إلى تحويل الجدار إلى مساحة تعبير حي عن الإنسان المصري، وهمومه وتحولاته. هؤلاء لم يرسموا على الجدران فحسب، بل كتبوا تاريخًا بصريًا موازياً، تتقاطع فيه الأسطورة مع الواقع، والرمز مع اليومي.

ومن هذا الامتداد، تأتي إحالة عكاشة إلى العمل الأشهر في تاريخ الجداريات الحديثة، لوحة Guernica للفنان بابلو بيكاسو، بوصفها مثالًا على قدرة الجدارية على احتواء المأساة الإنسانية وتحويلها إلى صرخة بصرية خالدة. فكما اختزل بيكاسو أهوال الحرب في تكوينٍ واحد، سعى عكاشة إلى التقاط شظايا المآسي اليومية في القطاع، لا بوصفها حياة عادية، بل بوصفها مشحونة بالدلالة.

هنا، تتبدّى الجدارية كفعل مقاومة صامت، مقاومة للنسيان، ولتبسيط التجربة الإنسانية. وهي، في مشروع عكاشة، لا تُقدَّم كحقيقة مكتملة، بل كسؤال مفتوح، يضع المتلقي في قلب عملية التأويل.

كما يبرز في حديثه وعيٌ واضح بدور الفن في كسر النخبوية، إذ يؤكد أن الجدارية، بحكم طبيعتها، فنٌّ ديمقراطي، يتوجّه إلى الجميع، ويُتاح في الفضاء العام، حيث لا حواجز بين العمل والجمهور. وقد اختارقاعة الهناجر بدار الاوبرا المصرية كفضاء متاح ليقدم معرضه بداية من السادسة مساء السادس عشر من ابريل …

إن «يوميات غُرّة» ليست مجرد جدارية، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الفن والحياة، بين الخاص والعام، بين الذاكرة والزمن. وهي، في جوهرها، دعوة إلى أن نرى العالم كما لو كان نصًا بصريًا مفتوحًا، وأن نقرأه لا بحثًا عن يقين، بل عن معنى يتشكل باستمرار.

بهذا المعنى، يواصل عبد الرازق عكاشة تقليدًا فنيًا عريقًا، لكنه لا يكتفي باستعادته، بل يعيد كتابته، واضعًا تجربته في قلب أسئلة معاصرة، حيث يصبح الفن، مرة أخرى، طريقةً لفهم العالم… والعيش فيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *