مهرجان أفلام السعودية في دورته الـ12: حضورٌ عالمي ونجاحٌ يحتذى به
قراءة نقدية بقلم: هاني نديم
انقضت أيام مهرجان أفلام السعودية الثاني عشر بنجاح كبير وإقبال جماهيري واسع، بعد أن بات بصمةً خاصة منتظرة كموعد سنوي للمهتمين بالسينما السعودية من داخل المملكة وخارجها.
يمتاز المهرجان بأنه ورشة عمل متصلة إلى جانب عروض الأفلام، إلى جانب الندوات الثقافية وفتح الأبواب بين سوق الإنتاج وصنّاع السينما في معرض دائم مفتوح طيلة أيام الحدث للشركات العاملة بالقطاع، فضلاً عن برنامج لقاء الخبراء الذي ييسر لقاءات فردية بين أطراف صناعة الفيلم.
عمل المهرجان منذ انطلاقته عام 2008 على تطوير السينما السعودية والعاملين فيها، بل لعله أول حدث كبير “حكّ مسار” العمل السينمائي السعودي الممنهج.
منذ انطلاقته في عام 2008م، التي بدأت بالتعاون بين الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون والنادي الأدبي في مدينة الدمام، شهد الإعلان عنه ترحيباً واسعاً على جميع المستويات، وعرض في أول دورة 44 فيلماً تنافست على جوائز المهرجان. وقد استمر في مسار تصاعدي على مدار 18 عاماً، إلى دورة 2026 التي حضرها مئات من صناع الأفلام وكتاب السيناريو السعوديين، إلى جانب السينمائيين العرب والعالميين.
وشهد المهرجان في هذه الدورة تعاوناً مع مهرجان بوسان السينمائي الدولي ومؤسسات سينمائية كورية، إلى جانب استضافة ضيوف ومتخصصين من كوريا الجنوبية، وإصدار كتاب يتناول التجربة الكورية. ويرى أن السينما الكورية تقدم نموذجاً مهماً لتجربة استطاعت الحفاظ على هويتها المحلية بالتوازي مع تحقيق حضور عالمي واسع، وقد تم عرض عدة أفلام قصيرة في العروض الموازية لأفلام المسابقات وتبادل الكوريون مع السينمائيين تجارب سينمائية قصيرة، مكثّفة، تتحرّك بين الدراما والتجريب، وتقترب من الإنسان في لحظاته الأكثر هشاشة وصدقاً. من خلال أصوات سينمائية كورية شابة قدمت عدة أفلام رائعة تعكس تنوّع الحساسية الكورية المعاصرة في الفيلم القصير.
المهرجان تنظّمه جمعية السينما بالشراكة مع مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء)، وبدعم من الهيئة السعودية للأفلام، وإدارة أحمد الملّا، أحد أهم الأسماء الثقافية في المملكة والوطن العربي، الشغوف بتحقيق تراكم أكاديمي وعالمي للسينما السعودية التي بدأت تشتق مكانتها خارج حدود المكان. وقد تم تكريم المخرجة السعودية الرائدة هيفاء منصور التي كانت شخصية العام.
وقد احتفت الدورة بـ”سينما الرحلة”، في حثّ وتكريس فكرة تنوع طبيعة الجغرافيا السعودية الشاسعة، وهو ما يمنح صنّاع الأفلام مساحة واسعة لاستلهام الرحلة بوصفها عنصراً درامياً وسينمائياً قادراً على إنتاج الحكايات واكتشاف الشخصيات وتحولات المكان. ويرى أن أفلام الطريق تمثل أحد الأجناس السينمائية المهمة التي تمتلك حضوراً خاصاً في التجارب العالمية، كما تفتح أمام السينمائي السعودي آفاقاً واسعة للتعامل مع المكان والحركة والانتقال بوصفها عناصر أساسية في السرد البصري.
وفي سبيل توسيع الجانب المعرفي والمهني، استضيف عدد من صناع السينما في جلسات متخصصة ضمن برنامج “لقاء الخبراء”. وكان من بين الأسماء المشاركة المخرج والكاتب العراقي حسن هادي، صاحب فيلم «مملكة القصب»، الذي يعد أول فيلم عراقي يصل إلى القائمة المختصرة لجوائز الأوسكار، إلى جانب الأستاذ أحمد العياد، الناقد السينمائي السعودي والذي كان عضو لجنة التحكيم للأفلام الوثائقية، إلى جانب الممثل السوري جهاد عبده، مدير عام مؤسسة السينما السورية.

مدير المهرجان أحمد الملا يستقبل الممثل الكويتي القدير سعد الفرج
يهدف هذا الحراك الثقافي السينمائي إلى تنمية الثروة البشرية الإبداعية من خلال رعاية وتشجيع المواهب في صناعة الأفلام. يلتزم المهرجان بتحقيق هذه الأهداف بتنظيم من جمعية السينما بالخبر، بالشراكة مع مركز إثراء، وبدعم من هيئة الأفلام التابعة لوزارة الثقافة.
وشهد المهرجان تقديم خمسين فيلمًا توزعت بين مسابقات الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة والوثائقية، والعروض الموازية، وبرنامج “أضواء على السينما الكورية”، ومحور “سينما الرحلة”، إلى جانب سوق الإنتاج، والندوات، والدروس المتقدمة، ولقاءات الخبراء، وجلسات توقيع إصدارات الموسوعة السعودية للسينما.
وفاز فيلم “هجرة” للمخرجة شهد أمين بجائزة النخلة الذهبية لأفضل فيلم روائي طويل، فيما نالت الفنانة سارة طيبة جائزة النخلة الذهبية لأفضل تمثيل عن دورها في فيلم “مسألة حياة أو موت”، وذهبت النخلة الذهبية للفيلم العراقي الروائي الطويل إلى فيلم “إركالا.. حلم كلكامش” للمخرج محمد الدراجي.
وفي مسابقة الأفلام الروائية القصيرة، حصد فيلم “مجهول” للمخرج إبراهيم البكيري النخلة الذهبية لأفضل فيلم قصير، وفاز فيلم “صرخة نملة” للمخرجة لجين سلام بجائزة عبدالله المحيسن للفيلم الأول، فيما ذهبت النخلة الذهبية للفيلم الخليجي الروائي القصير إلى فيلم “بذرة” للمخرج سلمان يوسف، ومنحت لجنة التحكيم تنويهًا خاصًا لفيلم “الستر” لرولان حسن وسارة مصري.
وفاز فيلم “ضباب البارود” للمخرج سعد طحيطح بالنخلة الذهبية لأفضل فيلم وثائقي، وحصل فيلم “مرجوج هزازي” للمخرج مشعل الثبيتي على جائزة لجنة التحكيم، وذهبت النخلة الذهبية للفيلم الخليجي الوثائقي إلى فيلم “فريحة” للمخرج بدر الريمي، ومنحت لجنة التحكيم تنويهًا خاصاً لفيلم “بقشة سعد” للمخرج مجبل سعد الفرج.

المخرج العراقي محمد الدراجي فائزاً عن فيلمه “إركالا، حلم جلجامش”
ومن الجدير ذكره؛ أن المهرجان منذ دورته العاشرة دشّن مبادرة “الموسوعة السعودية للسينما” التي أطلقتها جمعية السينما لنشر الكتب السينمائية طوال العام، ويتولى إصدار كتبها مهرجان أفلام السعودية، كما يرأس تحريرها الكاتب والصحفي القدير عبدالوهاب العريض. ومنذ عامين، أصدرت الموسوعة حوالي 100 عنوان متخصص في السينما بين ترجمة وتأليفاً بأقلام كبار كتاب الوطن العربي والعالم من مخرجين وكتاب سيناريو ومؤلفين، وهي خطوة تأسيسية للصناعة المعرفية في قطاع السينما السعودية والعربية كأكبر وأول موسوعة مختصة سينمائياً.



