البُعد السعودي في رباعية طهران انتقال تكتيكي من إدارة التهدئة إلى فرض التوازنات
زياد سامي عيتاني
في خضم تحولات جيوستراتيجية غير مسبوقة تظلل منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا، عُقد أمس في طهران اجتماعٌ أمنيٌّ وعسكريٌّ رفيع المستوى جمع قيادات عسكرية واستخبارية من المملكة العربية السعودية، والجمهورية التركية، وجمهورية باكستان الإسلامية، مع القيادة الإيرانية. ويأتي هذا التحرك الرباعي الاستثنائي ليرسم ملامح مرحلة جديدة من إدارة الأزمات الإقليمية، تهدف إلى ترسيخ خطوط التهدئة وتأسيس قواعد مباشرة للتنسيق العسكري في مواجهة خطر اتساع رقعة الصراع.
• ثقل المشاركة السعودية والبعد العسكري للوفود
تكتسب هذه المحادثات بعداً عسكرياً عملياتياً غير مسبوق، ويبرز ذلك جلياً من خلال طبيعة ونوعية القيادات المشاركة؛ إذ ترأس الوفد السعودي وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، إلى جانب رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالين، وقائد الجيش الباكستاني الفريق أول عاصم منير. وتعكس مشاركة الرياض على هذا المستوى العسكري والأمني الرفيع انتقال المملكة من إدارة التهدئة عبر قنوات الدبلوماسية التقليدية إلى صياغة “توازنات أمنية ومباشرة”. ترتكز هذه الرؤية على القوة والثقل الإقليمي للدول الثلاث المرتبطة بـ “اتفاقية مكة للدفاع المشترك والتنسيق الأمني”، بما يضمن فرض معادلات استقرار متوازنة، والحد من أي حسابات عسكرية خاطئة في الميدان، وتوجيه الرسائل الأمنية الواضحة بشأن خطوط الرياض الحمراء في الإقليم.
• العلاقات السعودية ـ الإيرانية: بين الحوار واختبار الثقة
تضع هذه المحادثات العلاقات السعودية ـ الإيرانية أمام اختبار حقيقي وعملي جديد؛ عنوانه الأساسي مدى قدرة الطرفين على منع التوترات الإقليمية من التحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة أو غير مباشرة تهدد أمن المنطقة واستقرارها.
فالقراءة الدبلوماسية الواعية تؤكد أن إعادة بناء الثقة بين الرياض وطهران لا تتحقق بمجرد عقد الاجتماعات البروتوكولية أو تبادل الرسائل النوايا، بل تحتاج إلى خطوات ملموسة على الأرض، وإلى معالجة جذرية للملفات التي تثير المخاوف الأمنية، وفي مقدمتها الأمن الوطني السعودي، ودور الجماعات والنشاطات المسلحة المرتبطة بإيران، ومستقبل التهدئة والمناخ السياسي في اليمن.
وفي هذا السياق، يبرز ملف الجماعات المسلحة وتحديداً جماعة الحوثيين باعتباره أحد أكثر الاختبارات حرجاً وحساسية بالنسبة إلى صناع القرار في الرياض. إن التهديدات المستمرة والمخاطر الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة على المنشآت الحيوية والمطارات والبنية التحتية الاقتصادية تجعل أي حوار سعودي ـ إيراني معنياً بصورة مباشرة ومطلقة بمسألة حماية الأمن الوطني السعودي.
وتكمن أهمية الدور الإيراني المحتمل في هذا الملف في مدى استعداد طهران لاستخدام نفوذها السياسي وعلاقاتها الوثيقة مع الحوثيين للمساعدة في خفض التصعيد الميداني. ولكن ينبغي دائماً التمييز الدقيق بين ما تأمله الرياض أو يسعى الوسطاء الإقليميون إلى تحقيقه، وبين أي التزام إيراني فعلي وعملي لم يُعلن عنه رسمياً حتى اللحظة.
فإذا أسفرت هذه المحادثات الرباعية عن تفاهمات أمنية قابلة للتنفيذ والمراقبة، يمكن حينها أن تفتح نافذة جديدة أمام التهدئة المستدامة، وتمنح العلاقات السعودية ـ الإيرانية فرصة تاريخية لاختبار مسار عملي لإدارة الخلافات. أما إذا اقتصرت التوافقات على البيانات العريضة والمواقف العامة، فستبقى أزمة الثقة قائمة، وستظل الحسابات الدفاعية والأمنية الحذرة حاضرة بقوة في السياسة الإقليمية للمملكة.
• باكستان وتركيا: وساطة استراتيجية تتجاوز حدود الأزمة
يشير المستوى العسكري والدبلوماسي المرتفع للوفود الباكستانية والتركية إلى أن التحرك الحاصل والذي جاء بمبادرة رسمية وتنسيق باكستاني محوري لا يقتصر على مجرد ترتيب العلاقات الثنائية مع إيران، بل يتصل بمحاولة شمولية لإعادة تنظيم الاتصالات الأمنية في مرحلة تتصاعد فيها مخاطر المواجهة الكبرى.
تتمتع باكستان بموقع محوري واستثنائي في هذا المسار؛ نظراً لدورها الفاعل في الوساطات والتسهيلات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران، وإلى علاقاتها الأمنية والعسكرية المتوازنة مع الرياض وطهران في آن واحد. وتأتي مشاركة قائد الجيش الباكستاني لتعكس انخراط المؤسسة العسكرية الباكستانية المباشر في ترتيب التوازنات الإقليمية.
من جانبها، تسعى تركيا عبر رئيس استخباراتها إلى تثبيت حضورها في أي ترتيبات أمنية تؤثر في موازين الاستقرار الإقليمي، مستفيدة من قنوات التواصل المتعددة لأجهزتها السياسية والأمنية مع كافة الأطراف.
ويتزامن هذا التحرك الميداني مع جهود وساطة متوازية تقودها قطر وباكستان، بما يوحي بوجود مسارات دبلوماسية متعددة تسعى لاحتواء الأزمات. غير أن تعدد هذه القنوات لا يكفي وحده لضمان النجاح؛ إذ تبقى العبرة في قدرتها العملية على تضييق الفجوات بين الفرقاء وتحديد خطوات متبادلة تمنع الانزلاق نحو المواجهة.
• واشنطن وطهران: العقدة الحاكمة في المشهد
لا يمكن قراءة اجتماع طهران بمعزل عن تعثر المساعي الرامية إلى احتواء المواجهة الأميركية ـ الإيرانية. فالتوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران لا يهدد الطرفين فحسب، بل يضع دول المنطقة برمتها أمام مخاطر عسكرية واقتصادية متزايدة تمس أمن الملاحة وأسواق الطاقة واستقرار الاقتصاد الإقليمي.
ومن هنا، فإن أحد الأهداف الجوهرية للتحرك الرباعي يتمثل في دعم المساعي الدبلوماسية، وتهيئة ظروف تسمح باستئناف الحوار بين الولايات المتحدة وإيران، أو على الأقل منع انهيار قنوات الاتصال المتبقية. ورغم أن الرياض وإسلام آباد وأنقرة لا تستطيع فرض تسوية مكتملة في ظل التباعد المعقد بشأن الشروط المسبقة والملف النووي والضمانات الأمنية، إلا أنها تملك القدرة على نقل الرسائل الحيوية، وتحديد المصالح المشتركة، ومنع الحسابات العسكرية الميدانية من إغلاق الباب أمام الحلول السلمية.
• مخرجات الاجتماعات
أكدت التصريحات والبيانات الرسمية الصادرة عقب الجلسات المغلقة والمشاورات التي جرت في طهران بين الوفود المشاركة ومسؤولي الأمن القومي والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على نقاط جوهرية:
-موقف الخارجية السعودية: أوضحت الخارجية السعودية أن زيارة وزير الدفاع وممثلي دول “اتفاقية مكة” تأتي في إطار دعم المساعي الدبلوماسية لخفض التصعيد وحث أطراف الأزمة على التعاطي “بإيجابية وعملية” مع نتائج هذه المباحثات ودعم الوساطات الباكستانية والقطرية للوصول لسلام مستدام.
-تأطير المباحثات وعزل الشق النووي: أكد الجانب الإيراني أن الاجتماع الرباعي يركز حظرياً على الأمن الإقليمي، ومنع اتساع المواجهات، وتأمين الملاحة البحرية، ودون التطرق إلى الملف النووي الإيراني.
-تفعيل التنسيق المباشر مع “تكتل مكة”: الإبقاء على قنوات التواصل العسكري والأمني المباشر مفتوحة بين دول “اتفاقية مكة” (السعودية، تركيا، وباكستان) والجانب الإيراني لمتابعة ملفات الحدود، والملاحة البحرية، وحظر أسباب التوتر الميداني.
• خفض التصعيد لا يلغي خطوط الرياض الحمراء
تثبت معطيات قمة طهران الرباعية أن الحضور السعودي الفاعل والمباشر برفقة أنقرة وإسلام آباد لا يهدف إلى تحقيق خفض وقتي للتصعيد فحسب، بل يرمي إلى اختبار المسار العملي لإدارة الخلافات ورسم خارطة أمنية عسكرية تُعيد الاستقرار للبحر الأحمر واليمن وخليج عمان. إن منع اتساع الحرب يمثل مصلحة أمنية واقتصادية استراتيجية ومباشرة للرياض، لكنه يظل في السياسة السعودية مشروطاً بتوفر ضمانات ملموسة وكافية لحماية أراضيها ومنشآتها الحيوية واستقرار أمنها الوطني.


