
الصديقان اللدودان وما بين الصين وروسيا.
ما بين التحالف والتنازع كلمة سرّ تكشفها المصالح و معادلات العرض والطلب ، توجِّهها القوى المُحرِّكة للإستهلاك والإنتاج ، والسعي التنافسي وراء وفرة الموارد والبحث عن البدائل من موارد طاقة ومياه ، فضلاً عن إزدياد الطلب على الأسلحة وما يرافقه من هيمنة على البحار والمحيطات والممرّات المائيّة ، هذا ما يظهر جليًّا في تحالف روسيا والصين ، فلولا وجود الولايات المتحدة الأمريكية ، عدوّهما المشترك ، لرأيت جحافل الجيوش الصينيّة تحاول بعزيمة غزو روسيا ، ولرأيت الصواريخ البالستيّة الروسيّة في سماء بكين . فالصراع بينهما قديمٌ منذ الأزل ، وكلّ واحدة منهما تسعى لإثبات تواجدها على الساحة العالميّة ، والهيمنة على خيرات الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا وصولاً إلى المحيط المتجمّد الشمالي .
– فكيف تسعى كلّ من روسيا والصين لإثبات وجودهما سياسيًّا وإقتصاديّا وعسكريًّا؟ وماذا على الولايات المتحدة الأمريكية أن تفعل في وجه هذا التمدّد لتدافع عن مصالحها وهيمنتها على العالم أجمع ؟! وماهي العلاقة الحقيقيّة بين تطوّر صناعة السلاح وإستمراريّة الحروب في المنطقة ؟
بدايةً كان لكلّ من روسيا والصين حضور ونفوذ يختلف عن الآخر ، فالدبّ الروسيّ دخل المنطقة من بوّابة السلاح ، أمّا التنين الصيني فاخترقها من سماء الإقتصاد ، ثمّ ما لبثت أن تنوّعت المنافسة واختلفت أوجهها .
التواجد الروسي ما قبل العام 2015 كان لا يذُكر رغم إمتلاك روسيا قاعدة عسكريّّة على الشواطئ السوريّّة ، إلاّ أنّها لم تكن ذات فاعليّة بانتظار سقوط الرئيس السوري الأسبق بشار الأسد ومعرفة من سيخلفه ، كما كانت روسيا مُنهمكة في حربها مع أوكرانيا وسيطرتها على جزيرة القرم . لكنّ أنظارها تحوّلت فجأة في ذلك العام نحو تقدّم أعمق في العالم ، ولا سيّما في الشرق الأوسط وذلك حفاظاً وحماية لهيمنتها . فمن خلال سوريا عزّزت حضورها بإنشاء قواعد عسكريّة في طرطوس وحميميم ، فمنحها ذلك موطئ قدم في الأراضي الدافئة وأغراها للتوسّع أكثر ، فوطِئت قدمها بعد سوريا في ليبيا من خلال كتيبة ” الدببة” مع بداية العام 2019.
كما عزّزت حضورها في جمهورية مصر العربية عبر إتفاقيات العام 2018 والتي تضمنت بيع مقاتلات من نوع ميغ ٢٩ بقيمة ملياري دولاراً ، ولم تقف أطماعها هنا بل إمتدّت إلى الجزائر ، إذ وقّعت معها في العام ٢٠٢٠ إتفاقية تعاون عسكريّ ، مما حوّلت الجزائر إلى أكبر مستورد للعتاد والسلاح الروسي ، كما وقّعت روسيا في العام ٢٠٢٣ عقوداً دفاعيّة وأمنيّة مع كلّ من الإمارات العربية المتحّدة والمملكة العربية السعوديّّة . وقبل ذلك إتفّقت مع تركيا عبر توقيع صفقة كُبرى في العام ٢٠١٧ لإستيراد أنظمة الدفاع الجويّ ٩٤٠٠ بقيمة تصل إلى ٢٥ مليار دولار .
وإتفاقيات بيع الأسلحة لم تقف عند هذا الحد بل إمتدّت إلى ما هو أبعد من ذلك كصيانة السلاح المُباع والتدريب عليه ، حيث تبقى الدولة المستوردة في كنف الجهة البائعة .وهذا ما يجعل كلّ المناطق السورية ، باستثناء الكرديّّة منها ،تابعة لهيمنة الشركات الروسيّّة بما فيها من ثروات ولاسيّّما النفط والغاز ، كما هي الحال في ليبيا ، ومناجم الذهب في السودان . ففي هذه الأخيرة تدعم روسيا طرفي الحرب من جيش وقوات دعم سريع ، وهذا ليس فقط لأنّ الروس لديهم
رفاهيّة التوسّع ، ولكن لخوضهم معركتين متوازيتين ، من جهة مع العدو الأميركي ومن جهة أخرى مع الحليف اللدود الصيني . فكيف تظهر المجابهة بين الحليفين في منطقة الشرق الأوسط ؟
حقيقةً إنّ الحضور الصيني في منطقة الشرق الأوسط بات واضحاً والمنافسة كذلك مع روسيا ولا تحتاج لأدلّة وشرح . فالإتفاقيّات والصفقات شكّلت بوّابة عبور للصين نحو المنطقة العربيّّة . حيث وقّعت مع المملكة العربية السعوديّة تعاون صندوق طريق الحرير ممثلة بشركة أكواباور في العام ٢٠١٨ ، وذلك لإستثمار يصل لمليارات الدولارات في الطاقة المتجدّدة ، وفي العام ٢٠٢٣ عادت الصين والمملكة العربية السعودية لتوقيع عقود تزيد قيمتها عن ١٠ مليارات دولار في مجالات الطاقة والصناعات البترو كيميائيّّة .
كما وقّعت الصين مع العراق ، صاحب أكبر احتياطي نفط ، إتفاقيّّات بقيمة ملياري دولار في العام ٢٠٢٠ وذلك لتطوير حقول النفط . كما تبني الشركات الصينيّّة في جمهورية مصر العربية العاصمة الإداريّّة الجديدة باستثمارات تصل إلى ٤٥ مليار دولار ، أضف إلى ذلك تعاونها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية – الجارة المشاغبة للعرب – حيث وقّعت معها في العام ٢٠١٢ إتفاقيّّة شراكة إستراتيجيّّة تشمل إستثمارات صينيّّة بقيمة ٤٦٠ مليار دولار في البُنى التحتيّة الإيرانيّّة ، وقطاعات النفط والغاز .
-أمّا على الصعيد العسكري ، ورغم هيمنة صادرات الأسلحة الروسيّّة على منطقة الشرق الأوسط والدول العربيّّة ، إلاّ أنّ بكين فاجأت الجميع من خلال مجموعة norinco بحضورها اللافت ولا سيّّما في مجال الطائرات بدون طيّّار وأنظمة الصواريخ . ففي عام ٢٠٢٢ إشترت المملكة العربية السعودية طيارة 4ch الصينيّّة بقيمة ٧٠٠ مليون دولار ،
كما تمّ توقيع عدّة عقود للتعاون العسكري في مجالات الصناعة الحربيّّة بين بكين والقاهرة إضافة إلى توريد الطائرات الصينيّّة إلى مصر.
أمام هذا الحضور والتنافس والثقل العسكري والإقتصادي ، ما هو موقف الولايات المتحدة الأمريكية من هذا التنافس بين كل من الصين وروسيا في المنطقة العربيّّة ؟!
في الواقع الولايات المتحدة الأمريكية تخشى هذا الصراع البارد بين موسكو وبكين فهو على حسابها ويقتصّ من حصّتها . لأنّ المنطقة العربيّة كانت وحتىّ السنوات الأخيرة تحت الهيمنة الأمريكيّّة ، ولكن ما كان للولايات المتحدة الأمريكية بات يُقتسَم بين ثلاث قوى ، فضلاً عن تركيا وإيران .
الأمريكيّّون لطالما عبّّروا عن إستيائهم ومخاوفهم ، فأطلقوا عدّة تحذيرات ورسائل حول الصفقات العسكريّّة بين الصين وروسيا والدول العربيّّة ، وكذلك الهواجس الأمريكية من التوسّع الجيو اقتصادي واستثماري ، وهذا ما ظهر من صدام بين بكين وواشنطن في العراق على صفقات البناء والإعمار ، وانتهى بالتقاسم بين الطرفين .
وكذلك في جمهورية مصر العربية التي كانت ترتكز على السلاح الأمريكي ، فأصبح السلاح المصري مُتنوّعاً بين الروسي والصيني .كما هي الحال مع المملكة العربية السعوديّة والإمارات العربية المتحدة ، اللّتان كانتا الحليف الأول للولايات المتحدة الأمريكية ، التي كانت لها حصّة الأسد قبل ظهور التنين الصيني والدبّ الروسي .
فالتنافس الصيني الروسي هو صراع باردٌ وخفيّ ، ولن يتحوّل إلى حرب إلاّ إذا بقيا وحدهما في المنطقة دون المنافس الأمريكي الأشرس . لذا سيستمرّ التنافس لأنّ التطوّرات الجيوسياسيّة أدّت
إلى تداخل المصالح وتقاسم النفوذ . ففرضت على الصين دخولها في سوق الأسلحة ، والمتغيّّرات الأوروبية الآسيويّّة فرضت على روسيا الدخول في عالم الاقتصاد و الإستثمار ، وإيجاد فرص لشركاتها ولا سيّّما بعد ما فُرض عليها من عقوبات . وهذا التنافس تدفع ثمنه الولايات المتحدة الأمريكية ، وتستفيد منه الدول العربيّّة لأنّه أوجد تنوّعًا في الحلفاء والمصادر .
غاية روسيا كانت وما زالت فرض إرادتها في المنطقة ، فاستنادًا إلى الجنرال كلاوسفين، وهو جنرال ومؤرّخ عسكري بروسي ولد عام ١٧٨٠ ، وكان من أهمّ مؤلفاته vomkviege أي فن الحرب ، حيث كانت من أهمّ نظرياته :” أنّ الجيش الوطني الذي يحارب من أجل الأمة يُظهر تصميمًا أكبر من الجنود المحترفين الذين يحاربون من أجل الأرض فقط. بالنسبة له الحرب هي متابعة للدبلوماسيّّة بطرق أخرى، إذ يجب اعتبار المصالح السياسيّّة للأمّة أكثر أهميّة من الأهداف العسكريّّة . فالعلاقة متينة بين توازن القوى وبين الأهداف السياسية والأهداف العسكريّّة في الحرب ” . بالنسبة لهذا الفيلسوف الحرب هي شكل من أشكال العنف يستهدف إكراه الخصم على فرض إرادتنا ، فالعنف هو الوسيلة ، أمّا الغاية فهي فرض الإرادة .
من هنا سعت روسيا وفي خضمّ السعي لفرض هيمنتها إلى توطيد علاقتها مع العرب وتطويرها.
حيث شهدت هذه العلاقة مراحل متباينة بين الركود والإزدهار ، وذلك إنعكاسًا للعديد من العوامل السياسيّّة والإقتصاديّّة . إذ إستقرّت العلاقات التجاريّّة بينهما بين عامي ٢٠١١ و ٢٠٢٠ على مستوى يمثلّ ٢،١ % من التجارة الروسيّّة الخارجيّّة و ٠،٨ % من حجم تجارة الدول العربيّّة الخارجيّة في المتوسّط . ويبلغ حجم مشاريع
الإستثمار الروسي المباشر في الدول العربية ما بين عامي ٢٠٠٣ و ٢٠٢١ نحو ٥ % من الإستثمارات الأجنبيّّة في المنطقة ،في المقابل تمثلّ الإستثمارات العربية في روسيا ١ % من حجم الأستثمارات الأجنبية في روسيا .
إذ نفذّت الدول العربيّّة ٣٩ مشروعاً مباشراً في روسيا بإجمالي تكلفة تصل إلى ٣،٨ مليار دولار
، ووفّرت أكثر من ١٢ ألف وظيفة ، كما شهدت السنوات التالية طفرة بمعدّل يزيد عن أربعة مشاريع سنويًًّّا ، وتركّزت الإستثمارات العربيّة في قطاعي الخدمات الماليّة والعقارات من حيث التكلفة الإستثماريّّة ، ومن حيث الوظائف الجديدة بما نسبته بين ٤٢ % و ٥٤ % على التوالي .
وتعُدّ الإمارات العربيّة المتحدة من أهمّ الدول العربيّة المستثمرة في روسيا وذلك بنسبة ٢٥ مشروعاً ، نفذّتها ٢٠ شركة ، تمثلّ ٦٤ % من حيث العدد و٦٢% من حيث التكلفة الإستثماريّّة . ثمّ تأتي قطر بمشاريع تجاوزت تكلفتها الإستثماريّّة المليار دولار بنسبة ٢٩ % من الإجمالي ما بين عامي ٢٠١٢ و ٢٠٢١ .
وقد إستثمرت الشركات الروسيّة بين عامي ٢٠٠٣ و ٢٠٢١ في مئة وأربعين مشروعاً في الدول العربيّة ، بتكلفة إستثماريّة وصلت إلى ٦٤،٥ مليار دولار ، ووفّرت ما يزيد عن ٣٤ ألف فرصة عمل .
كما شهد العام ٢٠١٧ طفرة في حجم الإستثمارات بقيمة ٣٢،٥ مليار دولار عبر أكثر من عشرة مشاريع أهمّها : مشروع الضبعة لتوليد الطاقة الكهربائية النوويّّة في جمهورية مصر العربية، بتكلفة إستثماريّّة تقُدّر ب ٣٠ مليار دولار. وقد ركّزت روسيا مشروعاتها في الفحم والبترول والغاز والطاقة بنسبة ٣٠ % من حيث العدد ، ونحو ٩٢ % من حيث التكلفة الإستثماريّّة .
أمّا على الصعيد الجغرافي، فقد تركّزت الإستثمارات الروسيّّة في مصر بنسبة ٤٨ % من حيث التكلفة ، ونسبة ١٩ % في العراق ، و٢٧ % في الأردن . فيما تركّزت من حيث العدد بنسبة ٤٠ % في الإمارات ، فمصر ١٤ % ثمّ العراق ١١ % . وفي العام ٢٠٢٢ إستحوذت أربع دول عربيّّة على ٧٣،١ % من التجارة العربيّّة الروسيّّة وهي على التوالي الإمارات ، مصر ، المغرب والسعوديّّة.
وتصدّرت هذه الدول الأربع قائمة أهمّ الدول المصدّرة إلى روسيا بنسب متتاليّّة : ٤٧ % ، ٢٢%
، ١٢،٧ % و ٧،٨ % ، وتركّزت الصادرات العربيّّة إلى روسيا من المعادن والمواد الخام بما
نسبته ٥٤ % والسلع المصنّعة بنسبة ٤٠ % والخامات الزراعيّّة بنسبة ٤،٢ % للعام ٢٠٢٠ .
كما بلغت الصادرات الروسيّّة للدول العربيّّة ٣١ مليار دولار كمتوسّط سنوي بين عامي ٢٠١١ و
٢٠٢٠. واستحوذت الإمارات والمغرب والسعوديّّة ومصر على الحصّة الكبيرة منها ، وقد توزّعت بين مواد غذائية بنسبة ٣٥ % ، وسلع مصنّعة ٢٦،٤ % والوقود بنسبة ٧،٦% ثمّ اللؤلؤ والأحجار الكريمة والذهب بنسبة ١٠،٢% ، وخامات ومعادن بنسبة ٤،٧% وسلع زراعيّّة ومواد خام ٢٦% .
وقد بلغ حجم عمليات تأمين الائتمان على الصادرات العالميّة الموجّهة إلى الدول العربيّة في المدى القصير والمتوسط والبعيد سنويًًّّا نحو ١٦٥ مليار دولا ر والّتي تمثلّ نحو ٨،٥ % من مجمل العمليات القائمة في العالم لتغطّي ٢٠ % من الواردات السلعيّّة العربيّّة .
هذا التعاون الاقتصادي بين العرب وروسيا لعب دوراً هامًّا في تزايد المشاريع وتنوّعها ، وبالتالي خلق فرص عمل جديدة ، وذلك في المنطقتين. فقد تنوّعت الاستثمارات الروسيّة في الدول العربيّة ، فتعدّت ٤٢ مشروعاً في قطاعات النفط والفحم والغاز فوفّرت تسعة آلاف وظيفة ، والعقارات ستة آلاف وظيفة وأكثر ، وأكثر من أحد عشر مشروعاً في قطاع المعادن ما وفّر ٤٧٣٠ وظيفة، إضافة إلى قطاعات السياحة والفنادق وتصنيع قطع الغيار للسيارات ما وفّر ٨٦١٠ وظيفة ، وقطاعي النقل والتخزين وفّرا سبعمئة وظيفة ، إضافةً للعديد من القطاعات ، وبالتالي العديد من فرص العمل .
وفي المقابل لعبت المشاريع العربية في روسيا دوراً هامًّا في تنوّع الاستثمارات وزيادة الوظائف والّتي تركّزت في قطاع العقارات ما وفّر أكثر من ٧٠٠٠ وظيفة ، وفي قطاعات الفحم والنفط والغاز حيث تمّ توفير ٢٧٠٠ وظيفة ، وقطاعي النقل والتخزين أكثر من ثمانمئة وظيفة ، وقطاع الفنادق والسياحة.١٥٠٠ وظيفة ، وفي غيرها من القطاعات .
هذا التعاون الإقتصادي وتطوّره بين كل من العرب وروسيا يُظهر لنا مدى أهميّّة الموقع الجغرافي للشرق الأوسط ، فهو ملتقى قارات العالم القديم ، ويشرف على أهمّ البحار : قزوين ، الأبيض، الأسود ، الأحمر ، الخليج العربي وبحر العرب ، فضلاً عن تواجد أهمّ الممرّات البحريّّة : كمضيق جبل طارق ، قناة السويس ، مضيق الفوسفور والدردنيل ، مضيق باب المندب ،ومضيق هرمز ، فالشرق الأوسط، وبكلّ بساطة هو البوّابة الجنوبيّة لروسيا ، وقد سعت روسيا القيصريّّة منذ القدم إلى التوسّع وفرض وجودها الفاعل في المنطقة والوصول إلى المياه الدافئة ، ممّا دفعها إلى شنّ حروب ضدّ الدولتين الفارسيّّة و العثمانيّّة في الأعوام : ١٨١٣- ١٨٢٦- ١٨٢٨- ١٨٢٩-
…١٨٥٣
ومن ثمّ سعى الإتحاد السوفياتي لتحقيق ذلك الحلم حيث خلق وجوداً عسكريًًّّا في ستينيّّات وسبعينيّّات القرن الماضي في كلّ من مصر وأثيوبيا والسودان واليمن والصومال وليبيا الجزائر والعراق وروسيا ، تقلّص هذا الوجود تدريجيًًّّا مع إنهيار الإتحاد السوفياتي ، إلاّ أنّ الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” إستغلّ تردّد إدارة أوباما الأمريكيّّة في إتخاذ قرارات حاسمة نحو أزمات المنطقة ، فسارع لملىء الفراغ الناشئ في البعدين السياسي والعسكري في منطقة الشرق الأوسط .
وقد سعت روسيا إلى إستخدام وجودها في المنطقة كورقة ضغط في ملف الأزمة الأوكرانيّّة وجزيرة القُرم والدرع الصاروخي وتوسّع الحلف الأطلسي نحوها .
وكما ذكرنا سابقاً فإنّ التردّد الأمريكي في بعض صفقات الأسلحة ساهم في توسّع روسيا في الشرق الأوسط واستعادتها لمكانتها العالميّّة عبر تشكيل تحالفات إقليميّّة ودوليّّة ، فعقدت مع كل من المملكة العربية السعوديّة والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان والكويت والجزائر وجمهورية مصر العربية صفقات أسلحة تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات .
ورغم الأهميّّة الماليّّة لهذه الصفقات ، إلاّ أنّ الهدف المرجو هو توسّع النفوذ الروسي ، فمع الأسلحة الجديدة سوف تحتاج الدول المستوردة إلى التدريب العسكري والخبراء ، وبالتالي إجراء تعديلات هامة على العقيدة القتاليّّة لجيوش هذه الدول مع ما يتناسب مع العقيدة القتاليّّة للجيش الروسي .
كما أنّ الإستقرار في الشرق الاوسط هو إستقرار لحدود روسيا الجنوبيّّة ، وسيساعدها على التخلّص من العزلة الدوليّّة الّتي فُرِضت عليها بعد الحرب مع أوكرانيا.
وهذا ما أكّده مدير الوكالة الإتحاديّّة الروسيّة للتعاون العسكريّ والفنيّ ” ديمتري ستوجاييف” خلال تصريح له في تشرين الثاني من العام ٢٠١٩ في معرض أقُيم في دبي : ” بأنّ بلاده تصدّر للمنطقة أكثر من ملياري دولارًا سنويًّا بحصّة ثابتة من ١٠ إلى ٢٠ % ، وأنّ حجم الصادرات العسكريّة لأفريقيا وصل إلى ٤٠ % ، وأنّ الإمارات تقدّمت بطلب إجراء إختبارات للطائرة المُسيّرة الروسيّّة ” أوريون إيه” على أراضيها والّتي يمكنها حمل قنبلتين صغيرتين ، وتحمل ما يصل إلى مئتي كغ ، ويبلغ طول جناحيها ١٦ متراً وطولها ثمانية أمتار ، وبسرعة تتراوح بين ١٢٠ و٢٠٠ كم في الساعة ، وقد تصل إلى إرتفاع ٧٥٠٠ مترًا ، وتحلّق إلى مسافة ٣٠٠ كم ، وتدوم طلعتها الجويّّة ٢٤ ساعة .
بالنسبة للرئيس الروسي بوتين فهو يخوض معركة وجود مع الولايات المتحدة الأمريكية ، والشرق الأوسط هو الساحة التي يجد فيها القدرة على تحقيق هذه المنافسة ، فقبل الأزمة الأوكرانيّّة الروسيّّة برزت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كثاني أهمّ سوق للأسلحة الروسيّة ، حيث كانت روسيا تحتلّ المرتبة الثانية بعد أمريكا في تصدير السلاح . فالوجود الدفاعي الروسي في الشرق الأوسط يقوم على ثلاث ركائز : بيع السلاح ، التدريب عليه ، والقدرة على الوصول إلى القواعد العسكريّّة وإستخدام القوات الشبه عسكريّّة .
وبالرغم من أنّ اللجنة الفيدراليّة الروسيّة للتعاون العسكري قد أكّدت في العام ٢٠٢١ أنّ الصادرات العسكريّّة للشرق الأوسط قد بلغت نحو ستة مليارات دولار على مدى السنوات الخمس الماضية ، أي ما بين ٤٠ إلى ٥٠ ‘% من إجمالي صادراتها العسكريّّة ، حيث زوّدت الجزائر بأقوى أنظمتها الدفاعيّّة وأكثرها تقدّماً مثل الطائرات المُقاتلة سوخوي ٥٧.
إلاّ أنّ هذه الصادرات تواجه تراجعاً وبعض الصعوبات منذ الأزمة الأوكرانيّّة الروسيّّة ، فالهند والتي تعُتبَر من أكبر مستوردي الأسلحة الروسية خفّضت وارداتها بشكل كبير. وقد يكون أحد هذه الأسباب هو الأداء السيّء لبعض هذه الأسلحة خلال حرب الروس مع أوكرانيا ولا سيّّما الدبّّابات والمُدرّعات ، لكن منظومات الدفاع الجوّيّة الروسيّّة أثبتت نجاحها فحافظت عل تواجدها في سوق الأسلحة . ومن الأسباب الأخرى لهذا التراجع ، العقوبات المفروضة على شركات
تصنيع الأسلحة والتي هي على علاقة وثيقة بالجيش الروسي، لذلك عمدت هذه الشركات ، ولا سيّّما المصنّعة للمروحيّات ، على زيارة المملكة العربية السعوديّّة ، تلاها فيما بعد زيارة الرئيس الروسي بوتين لدولة الإمارات العربية المتحدة والّتي تعُدَُّ الشريك التجاري الرئيسي لروسيا في العالم العربي ، كما أجرت الجزائر حوار اُ عسكريًّا مع روسيا نهاية العام ٢٠٢٣.
كما ألقت الأزمة الأوكرانيّّة بثقلها على شركة روسوبورن اكسبورت وهي شركة روسيّّة مُصنِّعة للأسلحة مملوكة للدولة ، حيث سعت إلى إستعادة كمّيّات من الأسلحة التي صدّرتها إلى بلدان أخرى لتجديد مخزونها الخاص من الأسلحة الّتي تمّ إستهلاكها في أوكرانيا ،خاصةً من مصر حيث وافق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على تسليم ما يُقارِب ١٥٠ مُحرّكاً وإرسال ٤٠ ألف صاروخا ، لكنّ الصفقة توقفّت بسبب الضغوطات الأمريكيّّة .
في المقابل تسعى روسيا لتوطيد تحالفها العسكري مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية حيث أعلن مسؤول أمريكي من مجلس الأمن القومي : ” أنّ روسيا تقُدِّم لإيران مستوى غير مسبوق من الدعم العسكري والفنيّ ، ويشمل طائرات مُقاتلة وطائرات هليكوبتر من طراز سوخوي ٣٥ ، ” كما قد
يُشكِّل ذلك تهديداً لدول الخليج . إضافة إلى التدريبات والمناورات العسكريّّة الروسيّّة الإيرانيّّة الصينيّّة في أواخر العام ٢٠١٩ . حيث صرّح العميد الإيراني علّام رضا : ” أنّ العلاقات بين الدول الثلاث وصلت إلى مستوى مفيد .” وهذا ما أكّده وزير الخارجيّّة الروسي في العام ٢٠٢٣ عندما أكّد على إحراز تقدّم في المعاهدة الروسيّّة الإيرانيّّة بشأن ” الشراكة الإستراتيجية الشاملة .
كما وتحاول روسيا الحصول على حق الرسوّ في قاعدة بحريّّة شرق ليبيا ما يُعزِّز من قدراتها الاستراتيجيّة واللوجستيّة ، فضلاً عن السعي للوصول إلى قاعدة بحريّّة في السودان بهدف الوصول الدائم لقناة السويس والبحر الأحمر والمحيط الهندي وشبه الجزيرة العربيّّة .
في مقابل هذا التوسّع الروسي تظهر الصين كثالث أكبر مصدّري الأسلحة في العالم ، بعد أن تخطّت ألمانيا وفرنسا ، إذ تصُدِّر لأكثر من ٣٥ دولة ، منها ١٨ دولة أفريقيّّة . وتسعى لدعم موقعها كدولة مُصدِّرة للأسلحة عبر عروض وإغراءات تقُدِّمها للدول المستوردة والتي أظهرت إهتماماً ترُجِم عبر عقود أبرمت مع شركة China North industrial group corporation المملوكة للصين ،حيث تضمّنت صفقات لطائرة sky saker بدون طيّار، إضافة إلى طائرة cR500 العموديّّة ، وطائرة dragons cruise ونظام الدفاع الجويّ قصير المدى HR ووفقاً لتصريحات سونغ تشونغ بي نغ فإنّ الصين مستعدّة لبيع أسلحة عالية التقنيّة إلى دول صديقة دون قيد أو شرط .
وتسعى الصين لتوسيع إمتداد سوقها للمبيعات العسكريّّة إذ تبحث عن أسواق جديدة كقارة أوقيانوسيا ، وهي منطقة جغرافيّّة كبيرة تحوي أستراليا وغيرها …وحيث تبلغ مساحتها ٨,٥٢٥,٩٨٩ كم٢ وتحوي مزيجاً مُتنوّعاً من الإقتصادات والأسواق الماليّة البالغة التطوّر والتنافسيّة ، كما تركّز الصين على الدول ذات الإقتصاد المتوسّط الحجم في جزر المحيط الهادئ.
وتمتدّ أوقيانوسيا من مضيق ملقا حتىّ ساحل القارة الآسيويّّة ، وتكمن أهميّّة هذا المضيق في كونه الممرّ الأساسي لتزويد كلّ من الصين واليابان بالنفط حيث تُعتبران من أكبر مستهلكي هذه المادّة في العالم .
وقد شكّلت أسواق آسيا وأوقيانوسيا مستورد اً للأسلحة الصينيّّة بنسبة ٧٤ % و ٦ % لأفريقيا و٧ % إلى الشرق الاوسط ، وتعُتبر باكستان المستورد الأكبر بعد أن توقّفت الولايات المتحدة الأمريكية عن تقديم المساعدة العسكريّّة لإسلام أباد .
فبعد أن كانت الصين تستورد المعدّات من روسيا بنسبة تخطّت ٧٥ %، وخاصة مقاتلات c435 وصواريخ أرض جو ، بالإضافة إلى منظومة ومحرّكات الطائرات المقاتلة ، نجد أنّ شركات صناعة الأسلحة الصينيّّة تظهر ضمن أفضل ٢٥ شركة على مستوى العالم ، وهي كالتالي:
شركة صناعة الطيران الصينيّّة AVIc وذلك في المرتبة السادسة عالميّاً ، وشركة مجموعة تكنولوجيا الإلكترونيّّات الصينيّّة ceic في المرتبة الثامنة، وشركة Norinco في المرتبة التاسعة وغيرها ….ومع بداية العام ٢٠٢٠ إرتفعت مبيعات هذه الشركات بنسبة ٥ % .
ومع ذلك ورغم توسّع النظام الجيوسياسي الصيني ، فالشركات الصينيّّة لا تزال محدودة العملاء في أسواق أميركا الشماليّّة وأوروبا
الغربيّّة ، وتواجد الشركات الصينيّّة في هذه المناطق هو بمثابة سعي للحصول على الخبرات الغربيّّة . كما أنّ تجارة هذه الشركات تابعة للحكومة ، فبالرغم من إتهّام الإعلام الإسرائيلي بأنّ جيش الدفاع لديهم قد إكتشف كميّّة كبيرة من الأسلحة الصينيّّة المستعملة في قطاع غزّة من قبل حماس ، إلاّ أنّ ” كاريس وين” الرئيس التنفيذي لمجموعة
Signal وخبير العلاقات الصينيّّة الاسرائيليّّة أكّد أنّ هذه الأسلحة لم تسُتورَد مباشرة من الصين ، فهي لا تبيع الأسلحة لكيانات غير حكوميّّة .
فبتجارة الأسلحة تدرك بكين أن السلاح سلعة إستراتيجيّّة ترتبط بالدولة ، وستحتاج الجيوش إلى دعم فنيّ وقطع غيار ومزيد من الذخيرة ، وبالتالي ضمان تحقيق التبعيّة .
وأمام هذه المنافسة ، أقرّ الكونغرس قانون كاتسا ، caatsa أو قانون مكافحة أعداء الولايات المتحدة الأمريكيةةفي العام
٢٠١٧ ، ويهدف لفرض عقوبات على أعداء الولايات المتحدة الأمريكية مثل كوريا الشماليّّة وإيران والدول المُصنِّعة لأسلحة الدمار الشامل ، وبرامج الصواريخ البالستيّة في إيران ، إذ يُحظر استخدامها و نقل المعدّات العسكريّة ، أو تقديم المساعدات التقنيّّة والماليّّة التي تساهم في دعم تسلحّ إيران . وقد طُبِّق القانون على الصين في أيلول من العام ٢٠١٨ إذ تمّ فرض عقوبات على إدارة تطوير المعدّات في وزارة الدفاع الصينيّّة .
أمام هذه الضغوطات والمنافسة بدأت الصين تسعى للتمدّد نحو أفريقيا ، ففي ظلّ التنافس الاستراتيجي والمحاولات المُستمرّة لإستعراض القوى الكُبرى ، لا سيّّما في مجال الصناعات الدفاعية ، حيث تسعى هذه الدول لزيادة صادراتها ممّا ينعكس زيادة في
الدخل القومي ، فضلاً عن تعزيز النفوذ من خلال إرسال قوى لتدريب الجنود وإنشاء قواعد عسكريّة ، وبعد أن توجّهت القارة الأفريقيّة للتخلّص من التبعيّة الفرنسيّة ، وأمام الضغوط والعقوبات على روسيا ، وعدم ظهور أفريقيا على قائمة أولويّّات الولايات المتحدة الأمريكية في تصدير الأسلحة ، وجدت الصين فرصةً لغزو السوق الأفريقيّّة وبالتالي فرض نفوذها.
هنا برزت الصين كثاني أكبر مُوَرّد للأسلحة بعد روسيا إلى أفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى ، وبنسبة ٣٠ % من واردات المنطقة ، مُتفوِّقةً على فرنسا بنسبة تبلغ ٧،٧ % ، كما بلغت الصادرات الصينيّّة من الأسلحة إلى دول أفريقيا جنوب الصحراء ٢٠٥، مليار دولار أي حوالي ٢٢ % من إجمالي الصادرات للعام ٢٠٢٣ والتي بلغت قيمتها ٩٣٢، مليار دولار، في المقابل شكلت مبيعات الأسلحة الروسيّّة ٢٤ % من إجمالي الصادرات إلى دول أفريقيا جنوب الصحراء ، بينما شكّلت المبيعات الأمريكيّّة ّلهذه المنطقة ٥’% .
هنا سؤال يطرح نفسه : ما الذي يميّّز السلاح الصيني حتىّ يُنافس السلاح الروسي والأمريكي ؟
•
– يتميّّز السلاح الصيني برخصه ، وعدم وجود شروط تعجيزيّّة سياسيّّة أو إقتصاديّّة على الدول المستوردة ، ففي القارة السمراء تبيع الصين أسلحة أكثر تقدّماً وتطوّراً وشراء هذه الأسلحة يرتبط إرتباطاً مباشراُ بتكثيف العمليات ضدّ المتمرّدين على بعض الحكومات الأفريقيّّة .وقد إزداد هذا التصدير مع إطلاق مبادرة الحزام والطريق ، فأكثر من ٦٠ % من صادرات الأسلحة الصينيّّة تتجّه إلى جنوب أفريقيا وتتوزّع على التوالي : تنزانيا ٢٠ % ، نيجيريا ١٣،٥ % ، السودان ١٢،٧ % ، الكاميرون ١١،٣و% وزامبيا على ٦،٤ % .
وتضمّ هذه الدول المستوردة للأسلحة أكبر المشروعات الصينيّّة من إستثمار وبناء ما يزيد الصلة بين المصالح الإقتصادية الصينية والمخاوف الأمنيّّة . فعلى سبيل المثال شكّلت نيجيريا واحدة من أهم مستوردي الأسلحة الصينيّة ، فضلاً عن جذبها لأكثر من ١٤ % من المشاريع الإستثماريّّة والبناء الصينيّّة ، إلاّ أنّها قد سجّلت في الآونة الأخيرة تحدّيات أمنيّة كهجمات بوكو حرام، والسطو المسلّح ممّا دفع الصين لحماية مصالحها .
أمّا بالنسبة لدول شمال أفريقيا فهي تمتلك عقوداً مُبرمة مع الصين تنفذّها شركة cngic وتشمل هذه العقود طائرات skysaker بدون طيار cr500 العموديّّة ، وطائرات cruise dragon5 ونظام الدفاع الجوي .hr
ومن جانبها إفتتحت شركة نورينكو -أكبر منتج للأسلحة في الصين والسابع في توريد المعدّات العسكريّّة عالميًًّّا – مكتباً جديداً لها في السنغال في العام ٢٠٢٣. وهذه الدولة تقع جنوب غرب أفريقيا وتعاني من أزمة إقليميّّة بعد إنشاء الدول الثلاث: النيجر ، مالي ، وبوركينافاسو كونفدراليّّة دول الساحل ، والتي تسعى لتأمين مصالح روسيا في المنطقة .وإفتتاح هذه المكاتب يُعدُّ تقدّماً وتوسّعاً للنفوذ الصيني في غرب أفريقيا ، وتحدّياً للنفوذ الفرنسي والروسي .فمع تراجع نفوذ فرنسا في أفريقيا والعقوبات المفروضة على روسيا ، وجدت الصين نفسها تتوسّع ، حيث أصبحت واعتباراً من فبراير / شباط عام ٢٠٢٣ واحدة من أكبر عشرة مساهمين عسكريين ومشاركين في الشرطة ضمن ثلاث بعثات إلى أفريقيا وهي : الأمم المتحدة في جمهورية جنوب السودان إذ شاركت ب ١٠٣١ جنديًّا وثمانية عشر ضابطاً وخبراء ، وبعثة الامم للإستفتاء في الصحراء الغربيّّة ، وبعثة الأمم لحفظ الأمن في مالي ، فضلاً عن دعم الخدمات اللوجستيّة
لبعثة الإتحاد الأفريقي في الصومال ، حيث بلغ عدد القوّات الصينيّّة المشاركة في قوات حفظ السلام أكثر من ٢٢٥٠ جنديًًّّا ، إضافة لزيادة عدد الملحقين العسكريين من عشرة إلى ٢٧ من عام ٢٠٢٣ ، فضلاً عن الزيارات العسكرية الصينية للموانئ البحرية في ساحل العاج وغانا والسنغال ونيجيريا والكاميرون .
والأهمّ من ذلك التعليم العسكري ، حيث يقوم الجيش الصيني بتعليم ما يُقارب الألفي ضابط عسكري أفريقي سنويًًّّا .فبين عامي ٢٠١٨ و ٢٠٢٢ تدرّب أكثر من ألفين من أفراد الشرطة وأفراد إنقاذ القانون الأفارقة في مدارس الشرطة الشعبيّة المسلّحة .وتقدّم الصين ما يقارب المئة ألف منحة حيث يشكّل التعليم العسكري ما بين ٤ إلى ٧ % من هذه المنح ، إذ يغطي النظام التعليمي لجيش التحرير أكثر من خمسة مسارات وظيفية .
فكليّّة قيادة الجيش الصينيّّة في بايجينغ تحظى بشعبية لدى الدول الأفريقية، فقد تخرّج منها عشرة رؤساء أفارقة ، وثماني وزراء دفاع كالرئيس السابق لجمهورية الكونغو الديمقراطية : لوران كابيلا، ومن الحاليين رئيس أريتريا: أسياس أفورفي ، وزمبابوي: إيمرسون منانجاجوا ……
ولتعزيز الأمن الأفريقي تمّ تنظيم منتدى الدفاع والأمن الصيني الأفريقي في بكين عام ٢٠١٨ ، بمشاركة صينيّّة وخمسين دولة أفريقية ، وقد نتج عنه إنشاء القوّة الإحتياطية الأفريقية وبرامج للحفاظ على الأمن ، ومكافحة القرصنة والإرهاب .وقد أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال المنتدى عن تخصيص مساعدات مالية عسكرية للإتحاد الأفريقي ، إضافة إلى أكثر من ٣٢٠ مليون دولار لدعم بناء القوة المشتركة لمجموعة الخمس في الساحل والتي تأسست في العام ٢٠١٧ بمبادرة أمميّّة ، وتشمل كل من بوركينا فاسو ،
تشاد ، مالي ، موريتانيا ، والنيجر .
كما تمتلك الصين قاعدة عسكرية وحيدة في أفريقيا في جيبوتي ، وقد أنُشِئت إثر مشروع بين الصين وجيبوتي وفق معاهدة أمنية دفاعية ، تهدف إلى تأهيل القوات المسلحة الأمنية الجيبوتية ، وتقع القاعدة في ميناء أويوك وتشرف على خليج تابورا ، وكانت المرة الأولى التي ترسل فيها
الصين جنودها خارج البلاد وذلك لتنفيذ مهام حفظ السلام ، وحماية المواطنين والمصالح الصينية في أفريقيا ، وتقع هذه القاعدة على مسافة ١٣ إلى ١٤ كم من قاعدة ليمونيا الأمريكية.
وقد أصبح التواجد العسكري الصيني في أفريقيا جليًّا بمختلف أشكاله ، بداية النشاط في ميناء باتا في غينيا الاستوائية إذ تحوّل إلى قاعدة بحرية صينيّة وفق الإدعاءات الأمريكية ، ثمّ تصاعد دور الشركات الأمنيّة الصينيّة الخاصة في أفريقيا مثل : psc, hxza, fsc, osg, Dewe , حيث
تنوّعت أعمالها بين حماية الموظفين والأساطيل وصولاً لنقل الأسلحة ، علماً بأنّ القانون الصيني لا يسمح لشركات الأمن الخاصة باستخدام الأسلحة .
فما أهداف التواجد العسكري والأمني الصيني في أفريقيا ؟
حماية الرعايا والعاملين والمستثمرين الصينيين ، فهناك أكثر من عشرة آلاف شركة ومليون مواطن صيني وأكثر ، وقد تسبّّبت عمليّّات الخطف والقرصنة والإبتزاز ضدّهم في نيجيريا وغينيا بخسارة
٢٠ مليار دولار .
حماية مصالحها الإقتصاديّّة ، ولا سيّّما الوصول إلى الموارد الحيويّّة
والطبيعيّّة حيث يشكّل كلّ من النفط والمعادن ما يقارب ٨٤ % من واردات الصين من أفريقيا.
حماية خطوط التجارة والملاحة البحرية الدولية ، فأفريقيا تشرف على أهمّ الممرات البحرية العالمية:
كالمحيط الهندي والأطلسي…..ومضيق باب المندب والموزمبيق وغينيا …..
عزل تايوان حتى لا تحصل على أيّ اعتراف أفريقي بها .
زيادة المبيعات العسكرية الصينية في المنطقة ، ولاسيّّما في نيجيريا وغانا فهما من أكبر مستوردي الأسلحة الصينية في غرب أفريقيا ، فضلاً عن الكاميرون وتشاد .
الربط بين صفقات بيع الأسلحة والوصول إلى الموارد الطبيعيّّة من نفط ومعادن .
تعميق العلاقة بين الصين والدول الأفريقيّّة باعتبارها تمتلك كتلة تصويتيّّة في الأمم المتحدة وقد تحتاجها الصين في المنافسة الإقتصاديّة .
إضافةً إلى هيمنتها على أفريقيا ، فقد تطوّر الصراع بين القوى الكبرى على توسيع نفوذها ليصل إلى جورجيا .هذه الدولة تقع على مفترق طرق بين أوروبا وآسيا والدولة الوحيدة في جنوب القوقاز التي تمتلك منافذ على المحيطات ، وقد شكّلت جورجيا مقرًّا رئيسيًّا لإمدادات الطاقة البديلة لتجاوز روسيا والتي تمتدّ من آسيا الوسطى مروراً ببحر قزوين وصولاً إلى أوروبا ، وهذا التحوّل نحو الغرب أدّى إلى تسريع التنمية فيها وتدفّق الأموال الأجنبيّة إلى إقتصادها . حيث إنتهجت خلال العقد الماضي سياسة برغمائيّّة متعدّدة الأبعاد ، فمن جهة سعت لتفادي مُعاداة روسيا ، والحفاظ
على علاقتها مع الإتحاد الأوروبي ، وفتح الأبواب أما القوى الصينيّّة من جهة أخرى .
هذا الموقع وهذه السياسة حوّلتاها لدائرة صراع ، ممّا ساهم في وضعها في حالة الغموض السياسي وعدم الاستقرار الداخلي . فزادت من شراكتها الدولية فأصبحت منذ العام ٢٠١٣ من الدول ذات الأولوية في مبادرة الحزام والطريق ، وتدفّقت الإستثمارات من الصين إلى جورجيا ، إذ تمّ توقيع اتفاقية التجارة الحرة بينهما في العام ٢٠١٧ ، وإلغاء التأشيرة بين البلدين في العام ٢٠٢٤ ، كما منحت جورجيا الصين حقّ بناء ميناء على ساحل البحر الأسود ممّا أثار غضب واشنطن وموسكو.
أمام هذا التنافس سعت جورجيا للتخّلي عن الخطاب العدائي نحو روسيا فامتنعت عن فرض العقوبات على روسيا ، فواصلت الإستفادة من العلاقات الاقتصادية معها ، كما لم تقدّم أيّة مساعدة للأوكرانيين باستثناء مساعدة اللاجئين الذين لجأوا إلى أراضيها . في المقابل رفعت روسيا القيود المفروضة على الواردات من جورجيا عام ٢٠١٣ ، كما ألغت نظام التأشيرة لمواطني جورجيا ورفعت الحظر عن الرحلات المباشرة عام ٢٠٢٣.
من هنا غدت الحرب ضرورة لتسيطر الدول الكبرى على مناطق الثروات الطبيعيّّة من جهة، ولتجد سوقاً لتصريف صناعاتها من الأسلحة من جهة أخرى. إذ كشف معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام ” سايبري “من أنّ أكبر خمس دول مُصدّرة للسلاح في العالم بين عامي ٢٠١٤ و ٢٠١٨ هي بالترتيب : الولايات المتحدة الأمريكية ، روسيا ، فرنسا ، ألمانيا ، والصين. وقد إستحوذت منطقة الشرق الأوسط على ٥٢ % من
صادرات السلاح الأميركي .
كما ازدادت مبيعات روسيا للسلاح لدول الشرق الأوسط ١٩ % ما بين عامي ٢٠١٥ و ٢٠١٩ .
فالمنافسة بين القوى العظمى تسارعت في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية ، ويشمل النظام العالمي الجديد ثلاث قوى عظمى : روسيا ، الصين ، والولايات المتحدة الأمريكية. فالحرب الروسية الأوكرانية بمثابة إضطراب عالمي جديد منذ الحرب الباردة، فكانت بمثابة تجربة واقعية في حرب القوى العظمى . حيث أصدرت الصين وروسيا بياناً مشترك اً أعلنا فيه أنّ الشراكة بينهما كانت أكبر من التحالف التقليدي وأن صداقتهما لن تعرف حدوداً .
في الواقع ، إنّ الخلاف بين روسيا وأميركا كان له تأثير سلبي على كلتي الدولتين . إذ إنهارت العلاقات التجارية بين الدولتين ما بين ٢٠١٣ و ٢٠٢٤ ، وقد بدأت بالإنهيار منذ العام ٢٠٢٢ خلال رئاسة جو بايدن إذ قدُِّر إجمالي تجارة السلع الأمريكية مع روسيا ٣،٥ مليار دولار فقط ، مقارنة مع فترة رئاسة باراك حيث بلغت الصادرات الأمريكية إلى روسيا ١١،١ مليار دولار . وقد سجّلت الإستثمارات المتبادلة إرتفاعاً في العام ٢٠١٩ حيث إستثمر عدد كبير من الشركات الأميركيّّة في السوق الروسي قدُِّرت بحوالي ١٤،١٧ مليار دولار عام ٢٠١٩ ، بينما إنخفضت إلى ٧،٦٧ مليار دولار عام ٢٠٢٣
فقد إستفاد الإقتصاد الروسي بشكل كبير من وجود الشركات الأمريكيّّة حيث وفّرت في العام
٢٠٢١ وظائف لأكثر من ٤١٠ آلاف شخص ، كما حقّقت إيرادات سنوية بقيمة ١٢،٢ مليار دولار عام ٢٠٢١ مقابل ٧،٦٧ مليار دولار عام ٢٠٢٣ . وفي المقابل تمتلك روسيا خيارات واسعة النطاق داخل الولايات المتحدة الأمريكية من خلال صناديق الإستثمار الخاصة ، كما إرتفع
الإستثمار الأجنبي لروسيا داخل الولايات المتحدة الأمريكية إلى ٣،١٣ عام ٢٠٢٢.
فالتنافس الروسي الأمريكي كانت له آثار سلبيّّة جدّ ا ً، وذلك من خلال فرض عقوبات غربية على الإقتصاد الروسي منذ عام ٢٠١٤ بحجّة الحرب الروسية الأوكرانيّة ، ممّا عرقل قدراتها على الاقتراض من أسواق المال الأجنبية ، وحدّ من وصولها إلى الإستثمارات الغربية والتقنيات الحديثة ، كما أدّى ذلك إلى خروج أكثر من ألف شركة دولية من السوق الروسية ، ممّا أدّى إلى تسجيل معدلات نمو سالبة منذ الربع الثاني من العام ٢٠٢٢ ، وعلى الرغم من ارتفاع معدلات النمو حتى الربع الأول من العام ٢٠٢٤ ، فإنّها عادت للإنحدار مرة أخرى في الربع الثالث من عام ٢٠٢٤ من ٥،٤ % إلى ٣،١ % ، ومن ثمّ فرض الإتحاد الأوروبي عقوبات إضافية على الإقتصاد الروسي . هذا كلّه دفع روسيا إلى تسريع المفاوضات مع الولايات المتحدة الامريكية والتي على ما يبدو أنها تسلك طريق النجاح ، وذلك رغبة من روسيا في تخفيف العقوبات خاصة وأنها تمسّ قطاعات حيويّة مثل التجارة العسكرية ، والمجتمع الصناعي العسكري الروسي ، إذ تمّ إضافة أكثر من ٥٣ كياناً للعقوبات . كما تأثرّ القطاع المصرفي من خلال فرض حظر معاملات المؤسسات الائتمانية أو المالية المُنشأة خارج روسيا والتي تستخدم نظام نقل الرسائل 5pf5 التابع للبنك المركزي الروسي ، وقطاعات أخرى ذات أهمية كبرى إقتصادياً . فعودة العلاقات بين روسيا وأميركا
سيؤدي إلى تحقيق نمو أسرع وأكثر إستدامة ، وتعويض الخسائر التي يتحمّلها نتيجة العقوبات الأوروبية عليه.
في المقابل ، خسرت الشركات الأمريكيّّة أكثر من ٣٠٠ مليار دولار بسبب إنسحابها من السوق الروسية ، كما تأثرّ الإقتصاد الأمريكي
سلباً بانقطاع العلاقات مع روسيا التي تعُدَّ أكبر مصدّر للأسمدة منخفضة التكلفة في العالم ، ونتيجة لذلك ارتفع التضخّم في أسعار السلع الزراعيّة والمواد الغذائية ، وكذلك في أسعار الطاقة ممّا أدّى إلى ارتفاع في معدّلات التضخّم في الولايات المتحدة الأمريكيّّة ، حيث لم يتمكّن الاحتياطي الفدرالي الأمريكي من تحقيق معدّل الفائدة المستهدف الذّي يُقدّر ب ٢ % ، إذ بلغ معدّل التضخّم ٣ % في يناير / كانون ثاني من العام ٢٠٢٥. كما أنّ أميركا تستورد ٨% من إحتياجاتها من النفط الخام والمنتجات ذات الصلة من روسيا .
أمام هذه الأهميّة الاقتصاديّة تسعى كلتا الدولتين إلى إستعادة العلاقات ولا سيّّما التعاون
الإقتصادي فيما بينهما ، وقد بدا ذلك من خلال المفاوضات في المملكة العربية السعودية بين المبعوث الروسي – كبير مديري الإستثمار في الكرملين – كيريل دميترييف ، والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكون
، وذلك لإزالة الحواجز المُصطنعة أمام تطوير التعاون الإقتصادي حيث يُتوقّع عودة بعض الشركات الأمريكية إلى روسيا ، ويسعى ترامب إلى إتفاق سلام بشأن الحرب بين روسيا وأوكرانيا ، وهذا ما يوضح أنّ حركة رؤوس الأموال سوف تزداد بين البلدين .
حقيقة الأمر ، إنّ التجارة العالمية تضرّرت خلال السنوات الأخيرة بسبب الحرب الروسيّةالأوكرانية ، فروسيا تحتلّ مكانة كُبرى في التكامل الإقتصادي العالمي ، فهي المُورد الأساسي
للغاز الطبيعي والعديد من المعادن مثل التيتانيوم والألمينيوم والنيكل وغيرها ، وعندما إنخفضت نسبة صادراتها بسبب العقوبات الاقتصادية العالمية من ٢٩،١ % عام ٢٠٢١ إلى ٢٣،١% عام
٢٠٢٣ إرتفعت الأسعار العالمية ، فمع إنتهاء الحرب الأوكرانية
الروسية ستنتعش التجارة الروسية العالمية وصادراتها في مختلف سلاسل التوريد ممّا سيؤثر إيجاباً على إقتصادات الدول النامية. كما أنّ روسيا سحبت دعمها للعملة الموحدة البريكس ، ومن المحتمل إتخاذ قرار قمة بريكس ٢٠٢٥ بالتعامل بالعملات المحلية .
فبيئة الحرب الباردة تميّّزت بصراع حاد بين القطبين المختلفين إيديولوجيًّا ضمن مسار إستقطاب دول العالم تحت نظريّة كلّ تقدّم باتجاه الخصم هو بمثابة كسب لمنطقة عمق إستراتيجي ، وفي الوقت نفسه قُدرة أكيدة على تطويق القطب المُعادي . وسقوط الإتحاد السوفياتي أدّى إلى بروز مناطق على الساحة الدولية ، وتعتبر آسيا الوسطى ذات وضعيّة جغرافية في قلب العالم ومن يسيطر عليها يسيطر على العالم فهي جسر جغرافي وإستراتيجي بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط ، وتؤكّد روسيا أنّ من أهمّ أولوياتها في السياسة الخارجية تمكين التكامل مع الجمهوريات السوفييتية السابقة.
وكذلك التحالف الروسي الصيني سياسياً وإقتصادياً شكّل بيئة مناسبة لصراع النفوذ .
فالصين تسعى للسيطرة على تايوان وتأمين مصادر الطاقة لتشغيل إقتصادها الجبار ولكنها تشعر بمحاربة الولايات المتحدةِ الأمريكية لها . إذ تحاصر أميركا الصين من خلال قواعدها
العسكرية عبر اليابان والفليبين وكوريا الجنوبية وفيتنام وتايلاند ، ممّا يُحوّل القوى البحرية الصينية إلى قوّة محدودة . هناك ٧٠ % من مصادر الطاقة الصينية تمرّ عبر مضيق ملاكا وإذا نجح الأمريكان في إغلاقه سيؤدّي ذلك لشلل اقتصاد الصين .
فالصين لا تملك موارد طاقة بينما روسيا لديها موارد وفيرة ولا سيّما في القسم الآسيوي الروسي ، ولا تملك اليد العاملة ورأس المال الوفير ، فشرق روسيا مُتأخّر عن غربها ، من هنا بضمانة رأس المال المُتاح واليد العاملة ستكون الصين قادرة على إستغلال موارد شرق روسيا ، وعن طريق أنابيب النفط والغاز سوف تتمكّن الصين من إنقاذ نفسها من التهديد الأمريكي بإغلاق مضيق ملاكا . فالتقارب الصيني الروسي مسألة تنَاسُب وضرورة إستراتيجية .
هذا التحالف والتعاون هو في الواقع ضرورة لا بدّ منها ، إذ أ نّنا إن عدنا إلى الماضي بنظرة شموليّة نجد بأنّه كانت بين روسيا والصين صراعات قويّّة على السيادة في شرق آسيا تعود إلى عهد غزو المغول لروسيا ، وتستمرّ حتىّ القرن العشرين من خلال الحرب ضد اليابان ١٩٠٥- ١٩٤٥ ، كما للصين صراعات عنيفة مع القوى الأوروبيّّة لدرجة أنّ ما بين عامي ١٨٣٩- ١٩٤٩ كانت الصين مُقسّمة بين بريطانيا واليابان فعانت من المهانة والإضمحلال ما لم ينتهِ إلا بانتصار الثورة الشيوعيّة . فضلاً عن حرب الأفيون عام ١٨٥٨ حيث كانت الصين غارقة في مستنقع حرب أهليّّة داخلية حصدت ملايين الأرواح ، فاستغلتّ حينها روسيا الفرصة وحشدت عشرات الآلاف من قوّاتها على حدود الصين وطالبت بالسيادة على إقليم manchuria الخارجيّ ، ولم يكن باستطاعة الصين حينها فتح جبهة حرب جديدة فتخلتّ عنه لروسيا بمعاهدة عام ١٨٦٠، والمنطقة يتواجد فيها حاليًًّّا أكبر مناطق الشرق الروسي chabarovisk وأكبر ميناء روسي على المحيط الهادئvladivostar ومن دونه لم تكن القوّة البحريّّة النوويّّة الروسيّّة ذات وزن في الشرق الأقصى . وقد حرمت هذه المعاهدة
الصين من سواحلها على بحر اليابان وتركت لها سواحلها على بحر الصين الشرقي والجنوبي ،لولاها لكان بحر اليابان صينيّ الإنتماء . وفي عام ١٩٨٦ إشتعل الصراع من جديد عند حدود النهرين الفاصلين بين البلدين ، فروسيا رأت أنّ الحدود هي ضفاف النهرين من الجهة الروسيّّة ، والصين ردّت بأنّ الجزر داخل النهر لها والحدود تقع في منتصف مجرى النهرين ، واحتدمت الحرب بينهما ، ممّا إضطرّ روسيا إلى التهديد بإستخدام السلاح النوويّ ، ورغم إنتهاء الحرب عام ١٩٩١ بترسيم الحدود بينهما ، إلاّ أنّ ذلك لا يعني أنّ الخلاف قد دُفنِ بلا رجعة .
ومع إنهيار الإتحاد السوفياتي سارعت الصين إلى خلق ترابط مع الدول الجديدة التي ظهرت ، وهدفها من هذه العلاقات مع دول آسيا الوسطى تنفيذ طريق الحرير ، فوسط آسيا يشكّل للصين مصدراً لمصادر الطاقة ممّا يحافظ على تدفّقها عبر الأنابيب من تركمنستان وكازخستان وأوزباكستان حيث يصلها أكثر من ١٥ % من حاجتها من الغاز الطبيعي بعيداً عن ميناء ملاكا . وللمقاربة فإنّ تركمنستان أوزباكستان منافستان لروسيا في تصدير الغاز للصين ، وهذه الأخيرة قد أضحت السوق الأكبر للغاز الروسي بعد العقوبات الأوروبية . وهكذا تفوّقت الصين على روسيا في المعاملات التجارية مع آسيا الوسطى ، ورفضت كل من أوزباكستان وطاجكستان الإنضمام إلى التحالف الأوراسي الذي كانت تسعى روسيا من خلاله إلى منافسة الإتحاد الأوروبي .وهذا التحالف بين الصين ودول وسط آسيا شكّل عائقاً أمام السيطرة الروسية على وسط آسيا وهذا كان هدفها منذ سنوات ، فهذه البلاد تشكّل البطن الضعيف لروسيا فهي ممرات للسهل الأوراسي العظيم وهو ممر تاريخي من ممرات غزو روسيا . وقد إستغلتّ الصين الحرب
الروسيّّة الأوكرانيّّة وصراعها مع الناتو لتمديد سيطرتها على وسط آسيا ، ولكن إلى متى ستبقى روسيا صامتة على هذا التمدّد الصيني ؟
فبالإضافة لإفتقاد الصين لمصادر الطاقة كذلك تعاني من شحّ في المياه ، فمع كثافة سكانيّّة تشكّل ٢٠ % من كثافة العالم و ٧ % من المياه العذبة ، إلاّ أنّ ٨٠ % من موارد الصين المائية المحدودة تتركّز في جنوب الصين حيث المناطق الأقل كثافة سكانية، بينما الشمال يحوي الكثافة الأكبر مع نسبة مياه أقل ، فأربعمئة مليون إنسان يقطنون الشمال والمياه تصل عبر أنابيب ، فضلاً عن التغيّّر المناخي وارتفاع حرارة الكوكب مما زاد من أزمة الصين ولا سيّّما بعد أن ضربها الجفاف عام ٢٠٢٢ فجفّ حوض يانغ تسي وهو أضخم الموارد المائية في الصين وأقربها في الجنوب في إقليم هملايا .والشمال الذي يعاني من الشح قريب من روسيا حيث أكبر منطقة للمياه العذبة غير المُستغلّة – بحيرة baikal -إذ تحوي ربع المياه العذبة السطحيّة وتكفي العالم أكثر من خمسين عاما ً، وتحاول الشركات الصينية شراء أراض قريبة منها وأعلنت عام ٢٠١٧ أنها ستمدّ أنابيب مياه تصل الصين بالبحيرة ، لكنّ روسيا عارضت هذا المشروع .
وما يضطرّ الصين وروسيا للحفاظ على هذا التحالف هو العدو المشترك للطرفين ، فأميركا وحلفاؤها يحاصرون الصين من الشرق والجنوب كما يحاصرون روسيا من الغرب ، ولولا ذلك لكان الصراع الروسي الصيني عاد إلى الساحة من جديد. فالصين معجبة بخلاف بوتين مع أميركا وأوروبا ، وكما تستفيد من خلال شراء الموارد النفطية الروسية بأسعار منخفضة، وتفعيل تجارتها مع وسط آسيا ، كما يتشتت إنتباه أميركا عن إقليم Endopacific. .وفي حال
تغيّّرت الإدارة الروسية هل ستسعى الصين لإثبات وجودها وإستعادة ما سلبته منها روسيا من أرا ض ؟
هناك مثل شعبي عربي : بكرا بيدوب التلج وبيبان المرج”‘ ، ولكن الثلج عندما ذاب في القطب الشمالي بفعل الإحتباس الحراري أظهر ساحة تنافس جديدة بين روسيا وأميركا والصين ! ولكن علام التنافس ؟!
في الواقع إنّ القطب الشمالي هو أعلى منطقة في الكرة الأرضية تطلّ عليه النرويج والدنمارك من أوروبا وروسيا من آسيا وكندا وأميركا من أميركا الشمالية ، وتمتلك كل من السويد وفنلندا وأيسلندا أراض بداخله يديرونها عبر مجلس للقطب إنضمّت إليه الصين كعضو مراقب في العام ٢٠١٣ .
فمع تحوّل البحار المتجمّدة إلى سائلة ما يعني إختصار الوقت في الملاحة بين كل من الصين والولايات المتحدة الأمريكية بفارق أسبوع كامل ويمكن أن يتحوّل طريقاً للشحن بين قارتي آسيا وأوروبا بدلاً من قناة السويس ، ممّا يوفّر مئات الآلاف من الدولارات .
كما تحوي ووفقاً لبيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكي في العام ٢٠٠٩ نحو ٣٠ % من إحتياطي الغاز الطبيعي ، و ١٣ % من إحتياطي النفط غير المكتشفين في العالم.
وتقُدّر الاحتياطات بحوالي ترليون دولار . وكلّ من روسيا وأميركا والصين تدرك أ نّ رجاء الأجيال القادمة سيتوقّف على قدرة كل دولة في تأمين مصالحها فيه ، ولكن ما زالت الغلبة هناك لروسيا والتي سبقت الجميع منذ أن وضعت علمها في قاع القطب عام ٢٠٠٧ واستخرجت منه ما يقارب ٢٥ % من إنتاجها من الغاز ، و ٢٠% من النفط وإستثمرت إقتصادياً وعسكرياً من خلال نشر القواعد
العسكرية وبناء خمسين كاسحة جليد عملاقة ، منها إحدى عشرة كاسحة تعمل بالطاقة النوويّّة، وكذلك نشر الآلاف من نقاط التمركز والرادارات . كما ورغبت روسيا في جلب إستثمارات خارجيّة إلى القطب الشمالي إذ صرّح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنّه يريد ربط البحر الشمالي بطريق الحرير الصيني للتجارة . وقد أعلنت الصين نفسها دولة شبه قطبيّة بحجة أنّ جميع أصحاب المصلحة يجب أن يشاركوا بإدارته وليس الدول التي تملك مناطق به فقط ، ممّا أزعج روسيا ومع ذلك شجّعتها لأنها تدرك أن الصين تسعى لإنجاز مشاريع خاصة وليس استثماراً يدرّ أرباحاً ، إذ أنفقت ٩٠ مليار دولار بين الأعوام ٢٠١٢ و ٢٠١٧ تمهيداً لحلول عام ٢٠٣٠ ، حيث يُتوقّع أن تذوب فيه كلّ المساحة الثلجيّة فتصبح المنطقة مفتوحة للملاحة دون الحاجة لكاسحات الجليد الروسيّّة أو رقابتها.
ووفق تقرير وول ستريت جورنال Wall Street journal فإنّ هذا التمدّد الروسي الصيني يُقلق أميركا إذ قال وزير خارجيّّتها مايك بومبيو أنّه وبالرغم من تأخّر بلاده في إثبات نفوذها في المنطقة الشمالية المتجمّدة ، إلاّ أنّها قادرة على تعويض ذلك . وبالفعل فقد عزّزت وجودها العسكري في منتصف عام ٢٠٢٠ عبر إرسال سرب من طائرات F35 والتي يمكن أن تكون وفق مجلة ناشيونال انترست رادعاً لأيّ توغّل روسي أو صيني . رغم ذلك يبقى هناك إحتمال لمعجزة مناخيّّة توقف ارتفاع الحرارة وذوبان الجليد حتى العام ٢٠٣٠ ، فتتوقف معها طموحات الدول الكبرى لأنّه وبدون هذا الذوبان سيكون الإستثمار مكلفاً جداً .
وتأكيداً على مخاوف أميركا من التمدّد الصيني صدرت في عام ٢٠٢٢ الوثيقة الإستراتيجيّّة للأمن القومي والتي تصدر كلّ خمس سنوات من قبل الإدارة الأمريكية وتحدّد أبعاد التنافس المتزايد مع
خصومها حول العالم ، فقد لفتت هذه الوثيقة تسمية الصين بالمنافس الوحيد الذي يملك النيّّة في إعادة تشكيل النظام الدولي ، كما أنّ الصين تمتلك موارد إقتصادية ودبلوماسية وعسكريّة وحتىّ تكنولوجيّة لتنفيذ ذلك وتحتاج أميركا وفقاً للوثيقة عشر سنوات لمواجهة الصين . وتلك السنوات ستحدّد مستقبل واشنطن عالميًّا ، إذ تمّ تصنيف الصين كمنافس أوّل لها .
وكذلك روسيا تخشى من هذا التمدّد الصيني ، فاقتصاديًًّّا ووفقاً لإحصاءات صندوق النقد الدولي فإن الصين سجلت تقدّماً اقتصاديا أكثر بعشر مرات من نظيرها الروسي ، فبينما
بلغ الفائض التجاري للصين ٦٧٦ مليار سجلت روسيا ١٩٧،٣ مليار دولار ، كما توقّع الصندوق أن يرتفع الناتج المحلي الإجمالي للصين إلى ٣٠ ترليون دولار بحلول العام ٢٠٢٧ ، وأن يتوقّف لدى روسيا عند أقل من تريليون دولارا ، فغدا هناك خلل في شراكتهما الإقتصادية ، ففي عام ٢٠٢١ شكّلت بكين ١٨ % من تجارة روسيا وهي أكبر شريك تجاري لها بينما مثلّت موسكو ٢ % من حصة التجارة الصينيّّة ، وهذه الفجوة بين الإقتصادين ما برحت تتزايد بفعل الحرب الأوكرانية الروسية . وتسعى الصين لإستغلال الخلافات الدائرة في شرق أوروبا وبعدم التضحية بمصالحها مع هذه الأخيرة رغم علاقتها مع بوتين ،ولا يمكن تجاهل ما حقّقته الصين من أرقام قياسية بفعل الركود الذي عرفته روسيا ممّا زاد إعتمادها على الصين حيث أخذت الشركات الصينيّة تملأ الفراغ الذي تركه إنسحاب الشركات الغربية من السوق الروسية. ففي ظل ركود التجارة في روسيا بسبب حربها مع أوكرانيا إلاّ أنّ معدل تجارة السلع بين روسيا والصين سجّل ارتفاعاً في الأشهر الأولى من هذه الحرب وصل إلى ١٧،٢ مليار دولار بزيادة ١٣،٢ % ، حيث تشكل مصادر الطاقة نسبة ٧٠ % من هذه
التجارة. ومع ذلك تلك النسبة باتت مهدّدة ً لأنّ الصين باتت تخطو نحو تقليل الإعتماد على الوقود الأحفوري ضمن خطّوة تهدف إلى تقليل انبعاثات الكربون عبر زيادة حصتي طاقة الريح والطاقة الشمسية .
إنّ العلاقة بين روسيا والصين دقيقة جدّاً ، فالجانبان لديهما مصالح مشتركة من جهة، ومصالح لا يمكن التنازل فيها كما هي الحال في التحالفات الدولية الأخرى . والذي يختلف هو حضورهما دولياً ، فالصين غدت قوة صاعدة ذات حضور إقتصادي متزايد، وروسيا ذات حضور وخبرات أمنيّّة عسكريّّة دون وزن اقتصادي . بالرغم من أنّ تزايد دور بكين قد يقلّص دور روسيا في آسيا الوسطى والشرق الأوسط إضافةً لحربها ضد أوكرانيا منعاً لتقدّم حلف الناتو إلى حدودها ، فها هي الصين تتعاظم وتعزِّز سطوتها عبر تقديم الدعم العسكري لكازاخستان والتي كانت تعتبرها روسيا جزءاً من نفوذها التاريخي ، فتكون الصين قد كسرت حدود علاقاتها الإقتصادية نحو الدعم العسكري .
وقد حاولت روسيا مُحاكاة الاسلوب الإقتصادي للصين عبر البدء بمشروع طريق المريديان أو ما يُعرف محليًًّّا بطريق الحرير الروسي ، بتكلفة ٩ مليار دولار وبطول ألفي كيلومتر من الحدود الروسية الكازاخستانية وصولاً إلى روسيا البيضاء ليكون جزءاً لا يتجزّأ من طريق نقل دولي بين أوروبا وغرب الصين وهو عبارة عن مشروع يُعزِّز إرتباط روسيا إقتصادياً وسياسيّاً بمناطق نفوذها التقليدية لكنه ينافس طريق حرير الصين وإن كان مُستبعداً تحقيقه نتيجة العقوبات على روسيا ، فالتنافس الحيوي بين البلدين وصل لدرجة التباري على المناورات العسكرية ، إذ قامت الصين بمناورة مع طاجكستان ، فردّت عليها روسيا بمماثلة في طاجيكستان على
الحدود مع أفغانستان تحت حجّة تسلّل مقاتلين إسلاميين من جمهوريات الإتحاد السوفياتي سابقاً في آسيا الوسطى ، ولكنها في الحقيقة رسالة إلى الصين بأن تدخّلها في دول الإتحاد السوفياتي سابقاً مرفوض فهي لا تزال تعتبر تلك الدول الحديقة الخلفية لها .
فالصين لا يمكنها تجاهل أهمية آسيا الوسطى ، فمع نموّها الإقتصادي وإزدياد سكانها ، كان لابدّ من أن تفكّر بالاحتياطات الوفيرة من الغاز والمعادن والنفط التي تملكها آسيا الوسطى ، إذ يؤكد احتياطي النفط بأربعين مليار برميل ، وتزيد احتياطات الغاز الطبيعي عن خمسمئة ترليون قدم مكعب ، فاستغلتّ بكين إنشغال روسيا بحربها مع أوكرانيا وعجزها عن أن تنافسها إقتصاديًًّّا وهي التي تمتلك أربعة ترليون دولار إحتياطي النقد الأجنبي ، فضلاً عن الخبرة التكنولوجيّّة لتصبح أكبر مستثمر مباشر في تلك المنطقة قبل أن تسعى لترسيخ بصمتها الأمنية إذ سبق وأن تعهّد الرئيس الصيني
خلال زيارته كازخستان بالحفاظ على إستقلالها بعد بوادر أزمة مع روسيّا جرّاء موقف الدولة المحايد من حرب أوكرانيا ، وهو ما يُعدّ تصريحاً وتهديداً مُبطّناً لروسيا .
ومع تطوّر الصين غدت تُقلّل من أهميّّة التكنولوجيا العسكرية الروسية ، حيث أن الإعتماد على إستيراد السلاح الروسي بدأ بالتراجع بعد إطلاق بكين مشروع طويل الأمد للإستفادة من تقدّمها في مجالات تقنيات الصواريخ والأسلحة النوويّّة والذكاء الصناعي وهو ما يقلق أميركا وروسيا معاً. فروسيا تخشى من تأثرّ صادراتها من الأسلحة إلى الصين ، كما يمكن أيضاً أن تستهدف دول آسيا الوسطى بهذا المشروع والتي تستورد أسلحتها من روسيا ، خصوصاً وأنّ الورقة العسكريّة آخر ما تبقىّ لروسيا في تلك المنطقة . فهي
تنظر إلى وضعها في الشرق الأوسط بعد أن تعزّز من خلال عدّة قواعد بحريّّة وبريّّة والإنخراط في الحرب السورية كمدافعة عن حلفائها ، بعكس واشنطن التي تخلتّ عن حلفائها العرب بعد الربيع العربي ، إذ تخلتّ عن حسني مبارك في مصر ، ما شكّل صدمة للأنظمة العربيّّة .
إضافةً إلى سوريا سعت موسكو إلى نسج علاقات وثيقة مع دول الخليج ، في المقام الاوّل مع المملكة العربية السعوديّة وذلك من خلال التنسيق المشترك لضبط أسواق النفط والتوافق على عدّة ملفّات سياسيّة ، وكذلك مع الإمارات العربية المتحدة عبر تنامي تجاري وإستثماري غير مسبوق ، حتىّ باتت ملاذاً آمناً لأقطاب الأوليفارشية الروسية الهاربين من العقوبات الغربية . فضلاً عن التفاهم مع قطر غي عدم تعدّي أيّ طرف على حصّة الطرف الآخر وذلك لحماية صادراتهما التقليديّّة .إلى جانب العودة إلى تزويد الجيش المصري بالأسلحة ومشروعات إقتصاديّّة في منطقة قناة السويس ، وبناء أوّل مفاعل نوويّ في الضبعة على ساحل البحر الأبيض المتوسّط .
وهذا ما قامت به الصين بالمقابل ، إذ تحوّلت إلى شريك تجاري رئيسي لجميع الدول العربية ، وتفوّقت على أميركا اقتصادياً في منطقة نفوذها التقليدي الخليج ، وأصبحت أكبر مستوردي النفط العربي. كما تملك علاقات جيدّة مع كلّ الأقطاب المتنازعة :
فلسطين ، إسرائيل ، السعوديّة ، إيران ، وصولاً إلى وساطتها التي بموجبها استؤنفت العلاقات بين السعودية وإيران لأوّل مرة منذ ٢٠١٦.
كما سعت روسيا ومنذ أكثر من عشر سنوات إلى إشراك الصين في إعادة إعمار سوريا
، وكذلك في قطاع النفط حيث كانت الصين قبل بدء الحرب الأهليّّة
السوريّّة واحدة من أكبر المستثمرين في أعمال النفط السورية كما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين قبل عام ٢٠١٠ أي قبل الحرب ما يُقارِب ٢٤٨ مليار دولار ، وعملت نحو ثلاثون شركة صينيّة في سوريّة ، واحتلتّ الصين المرتبة الأولى بين الشركاء التجاريين لسوريا بنسبة تصل إلى ٦٣ % من حجم التجارة الروسية .
فالصين وروسيا صديقتان ومتحّدتان من جهة أمام منافستهما الولايات المتحدة الأمريكية ،ومن جهة أخرى تتنافسان على بسط سيطرتهما في منطقة الشرق الأوسط ودول الإتحاد السوفياتي سابقاً والمحيط المتجمّد الجنوبي وأفريقيا ، كلٌّ منهما تسعى إلى تحقيق مصلحتها التي لا بدّ لها فيها من شريك دون أن تنسيا خلافاتهما التاريخيّّة السابقة التي لن ينساها الزمن ، من هنا كانت الحرب الوسيلة الوحيدة لبسط هذه السيطرة وتغيير السلطات في العالم ، وإرضاخ الشعوب ، فضلاً عن خلق أسواق جديدة لتجارة السلاح.
الخلاصة :
الصراع للسيطرة على الأسواق والممرات والمعادن وما يحصل اليوم في آسيا الوسطى يؤكد حتمية المواجهة التي تبدأ من كازاخستان ، طاجيكستان، تركمانستان وأوزباكستان.
حيث عقد الرئيس الأمريكي جو بايدن في العام ٢٠٢٣ لقاء وهو الأول من نوعه مع رؤساء ء ء الدول الخمس لأسيا الوسطى ( كازاخستان،أوزباكستان، قيرغزستان، طاجيكستان، تركمنستان) لإيجاد ممرات بديلة بعد الحرب الأوكرانية الروسية لأجل تنويع الروابط التجارية والمرونة الإقتصادية عبر الممر الأوسط لأسيا الوسطى واللقاء الذي جمع الرئيس الصيني مع قادة دول آسيا الوسطى في العام ٢٠٢٤ لإستئناف العمل في غاز جالكينيش في تركمانستان واللقاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الكازاخستاني في قمة أستانا حيث كانت روسيا الضامن الأمني لدول آسيا الوسطى والحضور العسكري المكثف لموسكو في قيرغزستان والتحويلات المالية للمهاجرين الأسيويين من روسيا والتي تشكل ما يقارب ٣٠ ٪ من الناتج المحلي لقيرغزستان لوحدها .
إضافة لذلك كل من التعاون الإقليمي العربي والأسيوي والحضور المكثف لتريكا في إقليم آسيا الوسطى خاصة في التجارة بين الجانبين حيث وصل حجم التبادل بين تركيا وكازاخستان إلى ٤,٧ ٪ وطاجيكستان ٥,٣ ٪ وقيرغزستان ٦,٤ ٪ واللقاء الهندي الأسيوي قمة دلهي التي أزعجت الحليف التقليدي للهند حين طرح الهندي مشروع تسهيل خدمات محطة الشهيد بهشتي في ميناء تشابهار في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لربط آسيا الوسطى بالهند واللقاء بين رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل مع رئيس قيرغزستان صدر جباروف كما حضر القمة رئيس كازاخستان وأوزباكستان وطاجيكستان .
ولكن بالنهاية السؤال الأخطر لماذا بعد كل تلك الإصطفافات والتحالفات فشل المشروع الذي كاد ان يُغير ملامح العالم من خلال إطلاق الشرارة الكبرى لحرب مدمرة مباشرة بين تركيا وإيران على الأراضي السورية ومن المتضرر من فشل المشروع ؟
هل تركيا وإيران شعوب وأمم غير طائفية والطائفية محصورة في الشعوب المارقة؟
ولماذا الإتفاق مع روسيا أصبح حتمي بعد فشل إشعال حرب تركية إيرانية على نسق العراقية الإيرانية؟!!!
ومن يريد كسب إيران ولصالح من بعد فشل الإتفاق الأمني السوري الإسرائيلي ……
ولماذا عادت الملفات البلقانية واليونانية والقبرصية من جديد في وضع تركيا الحاضرة بتاريخها…….
ولماذا تلك الحشود في اليونان من بريطانيا وإسرائيل أمريكا وغيرهم وعلى من الأنظار هناك…..
ولماذا يهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برفع الرسوم الجمركية ١٠٠٪ على من يستورد النفط والغاز الروسي وفي نفس الوقت تعود الشركات الأمريكية لقلب موسكو .
وهل موافقة الهند والصين على حل العقدة الحدودية في هذا التوقيت يسحب ورقة إقليمية من الأيادي الأمريكية أم بمباركة أمريكية لأجل التسوية مع الصين.
وما علاقة أوكرانيا بحرب غزة ولماذا لا تتوقف حرب أوكرانيا ومن المستفيد ؟
هل إذا توقفت حرب أوكرانيا ستتحول الأنظار الأوروبية لدعم إستقلالية دولة فلسطيينية…..وأخيراً لماذا تُهجر إيران الأفغان وما علاقتهم بالحرب الأخيرة مع إسرائيل وأين مصير الجيش والتحالف الباكستاني السعودي المصري ….
خالد زين الدين .
رئيس تحرير الجريدة الأوروبية العربية الدولية.
عضو إتحاد الصحفيين الدوليين في بروكسل.
عضو نقابة الصحفيين في بولندا .



