
الصَّديق الوهمي عند الأطفال
(الصَّديق الوهمي عند الأطفال)
بقلم: د. إيمان بقاعي
أستاذة أدب الأطفال والشّباب والمنهجيَّة-لبنان
2\12\2025
الصَّدَاقَةُ والصَّديق الوهمي عند الأطفالِ:
الصَّدَاقَةُ (ص د ق): عاطفةٌ مُكْتَسَبَةٌ مُتَبادَلَةٌ تَقومُ على ضَرْبٍ مِن الاختيارِ والتَّفضيل، منشؤُها التَّعاطُفُ والمُشارَكَةُ في المُيُولِ، وأساسُها المُساواةُ بين الأصدقاءِ وتُعَزِّزُها المُخالَطَةُ والمُصاحَبَةُ، (أو) علامةُ المَوَدَّةِ والإخلاصِ بين المُتَقارِبينَ، (أو) الصُّحْبَةُ.
الصَّدَاقة في قصصِ الأَطْفَال والنّاشِئَةِ:
في هذه القصص، يبدو واضحًا أن الشَّخْصِيَّات توجَدُ من أجلِ الآخرين، إذ يكون هدفُها الحصول على رفيقٍ واحدٍ، أو تشكيل عصبةٍ من الرِّفاق، أو التَّمسك بأفرادِ الأسرةِ، أو إنشاء أسرةٍ، مستبعدًا تجربةَ “الوحدة” التي تؤدي بالطِّفْل إلى الانعزالِ عن مجتمعِهِ، رغم أنها تدخله إلى رحابِ ما ندعوه بـ”الحُرِّيَّة”، التي تعني أن لا يقتحمَ وحدتَكَ أحدٌ، حتى لو كانَ صديقًا؛ إذ تنفر الطُّفُولَة من هذا النَّوْع من الانفصال ولا تتشبث أبدًا باكْتِسَاب خبرة الحُرِّيَّة.
و(الصَّدِيقُ): الصَّاحِبُ الوَفِيُّ الصّادقُ المَوَدَّةِ، يكون مذكّرًا ومؤنثًا وجمعًا باتّفاق من لفظه ومعناه، وذلك أنّه لا يخرجُ عن مَعنى الصَّداقةِ.
تقول: (عبدُ اللَّهِ صَديقُك وعِبادُ اللَّهِ صديقُك وهندٌ صَديقُك).
ويجوزُ أن تُؤَنِّثَ الصَّديقَ وتُثَنِّيَهُ وتَجْمَعَهُ، وجمعه: صُدَقاءُ وصُدْقانٌ وأَصْدِقاءُ وصَدِيقٌ، وجمع الجمع: أَصادِقُ، والأُنثى: صَدِيقٌ وصَدِيقةٌ،
و(الصُّدَيِّقُ): مُصَغَّر الصَّدِيقِ (يُصَغَّرُ على جِهَةِ المَدحِ)، يقال: (هو صُدَيِّقي)؛ أي: أَخَصُّ أَصدقائي.
و(الصَّديق الوهمي أو الخَيَالي عند الأَطفال): ظاهرةٌ نفسيَّةٌ واجتماعيةٌ؛ إذ تكون هذه العلاقةُ- سواء أكانت صداقة أو أي علاقة شَخْصِيَّة، قائمة بالخَيَال وليست موجودة على أرض الواقعِ.
ما السَّبب وراء اختراع الطِّفْل صديقًا خياليًّا؟
إن الطِّفْل الّذي يصنعُ لنفسه صديقًا غير مرئي قد يعاني من الوحدة أو يكون لديه مشاكل اجتماعية، ولكن الأبحاثَ لم تدعم هذه الافتراضات؛ففي الواقعِ، عند مقارنةِ الأطفال الذين يمتلكون هؤلاء الأصدقاء الوهميين بالأطفالِ الّذين لا يملكون أصدقاء غير مرئيين، وُجِد أنهم أقلّ خجلًا منهم، وينخرطون مع أقرانهم بشكل أكبر بالضّحكِ والابتسام، وينجزون المهامَّ بشكل أفضل عن طريق “تخيّلِ“ كيف يمكن للآخرين أن يفكروا.

جيف كيني والصّديق الوهمي:
وبأُسْلُوبهِ السّاخر الجميلِ، كتب (جيف كيني) في (مذكرات طالب- العجلة الثَّالثة) عن الموضوع، فقال:
“قد لا يملكُ (ماني) [شقيقه الصّغير] أي أصدقاء حقيقيين، ولكِنَّه يملك مجموعةً من الأصْدقاء الخَيَاليين. وليس بمقدوري تذكّرهم جميعًا، لكن الأسماء التي أستَطيع تذكرها هي: (جوي، بيتي، داني، تشارلز تريبل، تشارلز تريبل الآخَر، جيم الصَّغير، وجوني تشيدار…)
ولا أعرفُ كيف توصل (ماني) إلى مصادقة كل أولئكَ الأصدقاء الوهميين. لكن، صدقوني حين أقول لكم إنهم حقيقيون بالنّسبة إليه؛ فذاتَ مرة، اصطحَبَ (ماني) كل أَصدقائه الخَيَاليين إلى المتجر، وأجهش بالبكاءِ عندما تركت أمي (تشارلز تريبل) في جناح الأطعمةِ المجلدة.
أتساءلُ أحيانًا عما إذا كان (ماني) قد ابتكرَ أصدقاءَه الخَيَالييين كي يتمكن من الحصولِ على بعض الأشياء، مثل الحلوى الإضافية بعد العشاء. تقول أمي:
آمل أن يكبر سريعًا على هذه المسألة؛ لأن الأمرَ أصبحَ مثيرًا للسُّخريةِ إلى حدٍّ بعيدٍ.
ففي بعض الأحيانِ، يتوجب عليَّ الانتظار حتى ينتهي أصدقاء (ماني) الوهميونَ من اسْتِعْمَال الحمّامِ قبل أن أتمكنَ من دخوله. وفي الآونة الأخيرة، كان (ماني) يلقي باللّومِ على أصدقائِهِ الوهميين لدى ارتكابه الأخْطاء. فذات يوم، حطَّم طبقًا على الأرض، ثم أخبر أمي أن (جوني تشيدار) هو مَن فعل ذلك، إذ يبدو أنه المشاغبُ في المجموعةِ. لكن، بدلًا من أن تعاقِبَ أمي (ماني) على كسر الطّبقِ وإنكاره ذلك، عاقبَت (جوني تشيدار).
والمقرفُ في الأمر فعلًا أن العقابَ تمثّلَ بالجلوسِ على الكرسيّ الجديد الفخم في غرفة الجلوسِ، حيث لم يعد بوسعي الجلوس عليه لمشاهدة التّلفاز.
ومثلما قلتُ سابقًا: أعرف أن كل مسألة الصّديق الوهمي مجرد هراء، لكن (ماني) يتصرف بجدية كبيرة حيالَ الأمرِ، إذ يبدو وكأن أصدقاءَه أشباح. وبالفعل، حين أتوجه للجلوسِ في مكان ما في المنزل، أتأكد أولًا من عدم تواجدِ أي من أصدقاءِ (ماني) في الجوار. فآخر ما أحتاجُ إلى فعلِهِ هو الجلوسُ على الأريكةِ لمشاهدة التّلفزيون وسحق (جيم الصَّغير)“!
متى اهتمّ علماء النفس بالأصدقاء الوهميين؟
أعطى علماء النفس مسألة (الأصدقاء الخياليين) للأطفال الاهتمام الكبير منذ بداية القرن التاسع عشر؛ إذ كانت هنالك مخاوف من أن يكون خيال الطفل هذا مؤشرًا لإصابته بأحد الاضطرابات النفسية أو العاطفية. وفي ضوء تقدُّم الأبحاث على مدار العقدَين الماضيين، أصبح من الواضح أن الأمر عكس ذلك تمامًا؛ فصديق الطفل الخيالي يساعده على النمو.
يُعدّ ابتكار صديق خيالي ظاهرةً منتشرة جدًّا بين الأطفال، وقد أظهرت الدراسات أن %65 من الأطفال يبتكرون صديقًا خياليًّا. ويظهر هذا السلوك بصورة عامة بين سن (3 و5 ) سنوات، ولوحظ انتشاره بين الأطفال في جميع أنحاء العالم من مختلف الثقافات، ومن الناطقين بمختلف اللغات، ولا يقتصر وجود هذا الصّديق على الأطفال الطّبيعيين؛ “إذ لوحظ أيضاً لدى الأطفال المصابين بالتوحد أو متلازمة داون”.
[نور نور الدين: القبس: الأصدقاء الخياليون…كيف يساعدون أطفالنا على النمو]
ويورد (نور نور الدين في مقالته ذاتها) أن الشخصيات الخيالية “تتنوع تنوعًا كبيرًا، كما يمثل كل صديق خيالي حالةً مميزة وفريدةً من نوعها ترتبط بالطفل الذي يبتكره“.
ويقول:
“إن إحدى أهم الوظائف الرئيسة للصديق الخيالي هي تخفيف الشُّعور بالوحدة؛ إذ يشعر الطفل بأن هنالك دائماً من يشاركه اللعب ولهذا السبب فإن المسنين والأطفال هم أكثر احتمالًا لابتكار هؤلاء الأصدقاء“.
من جهة أخرى، “يبتكر الطفل صديقه الخيالي ليلقي اللوم عليه عندما يشعر بأنه ارتكب فعلًا سيئًا”.
ميزات الأطفال الذين يملكون أصدقاء وهميين:
يقول (نور نور الدين) في مقالته ذاتها:
كيف يتصرف الآباء مع (الأصدقاء الوهميين)؟
يتساءل الوالدان غالبًا عن كيفية التفاعل مع حالة الصديق الخيالي الذي يبتكره طفلهم، وفي الحقيقة تشير نتائج البحث إلى:
مكتبة الدراسة:



