**الإمبريالية والدين الليبرالي: عندما تصبح الديمقراطية سلاحاً**

**بقلم عمر مروان الحريري في صيف عام 2019، كنت أجلس مع صديق في مقهى بمارسيليا، نشرب القهوة ونتبادل أطراف الحديث. انحرفت المحادثة نحو السياسة الدولية، فقلت دون تفكير تقريباً: *”بصراحة، لست متحمساً كثيراً لفكرة ‘نشر الديمقراطية’ أو ‘القيم الليبرالية’.”* نظر إليّ صديقي كما لو أنني ارتكبت هرطقة. *”ماذا؟ كيف تقول هذا؟ أنت الذي تدافع عن حقوق الإنسان دائماً…”* كان مصدوماً بصدق. لم يكن الأمر أنني لم أجد الكلمات لشرح ما أشعر به، **بل أنه ببساطة كان من المستحيل في تلك اللحظة أن يفهم.** كيف كان بإمكاني أن أجعله يرى ما أراه – أن الديمقراطية، كما يروّج لها الغرب، ليست في كثير من الأحيان سوى ذريعة لتبرير الحروب والنهب وهيمنة اقتصادية وثقافية عمرها قرون؟ **كان يؤمن بهذه القيم، عاشها كشيء جميل وعادل وكوني.** كيف كان بإمكاني أن أجعله يعترف بأن هذا النظام، الذي يراه نوراً، يمكن أن يكون أيضاً سلاحاً؟ في ذلك الوقت، لم أصرّ على الموضوع. كنت أعرف أن هذه المحادثة كانت مبكرة جداً. **لم يكن صديقي قد عاش بعد تجربة المعايير المزدوجة.** لم يكن قد رأى بعد كيف يمكن لهذه القيم نفسها، التي يعتز بها، أن تُشوّه وتُستغل أو ببساطة تُتجاهل عندما تخدم مصالح الأقوياء. كان علينا أن ننتظر حتى عام 2023 وحرب غزة حتى تنكشف هذه الحقيقة للعلن – ليس له وحده، بل لملايين الأشخاص في الغرب. كما كانت تقول نكتة انتشرت خلال حرب العراق: *”الأمريكيون محظوظون: في كل مرة يذهبون فيها ‘لدفاع عن الديمقراطية’ أو ‘حماية حقوق الإنسان’، يصادفون النفط.”* وراء الفكاهة السوداء، حقيقة قاسية: **الإمبريالية لا تختفي، بل تتجدد.** واليوم، تتزيّا برداء “الدين الليبرالي” – عقيدة تقدّس الديمقراطية الغربية كنموذج شرعي وحيد، بينما تستخدمها كأداة للهيمنة. هذه النفاق هو ما يفككه المؤرخ سمير ساول، الأستاذ في جامعة مونتريال، في كتابه الأخير *”الإمبريالية”* (2025). بالاستناد إلى عقود من الأبحاث، يبيّن كيف حوّل الغرب الديمقراطية إلى **سلاح حرب أيديولوجي**، قادر على تبرير ما لا يمكن تبريره: من قصف ليبيا إلى الإبادة الجماعية في غزة، مروراً بدعم الدكتاتوريات “الصديقة”. **الديمقراطية كدين: عقيدة في خدمة السلطة** في كتابه *”الإمبريالية”*، يشرح ساول كيف رفع الغرب الديمقراطية الليبرالية إلى مرتبة **الدين العلماني**. مثل أي دين، تعتمد هذه العقيدة على مبادئ غير قابلة للنقاش: – **الديمقراطية الغربية هي النموذج الوحيد الصالح** (أي نظام آخر هو “استبدادي” أو “غير شرعي”). – **حقوق الإنسان عالمية** (لكن تطبيقها يعتمد على المصالح الجيوسياسية). – **التدخل العسكري مبرر إذا كان “يحمي” هذه القيم** (حتى لو دمّر دولاً بأكملها). هذا “الدين” يسمح **بتشويه الأعداء** (روسيا، الصين، إيران) بينما **يبيض صورة الحلفاء** (إسرائيل، الأنظمة الفاسدة ما بعد الاستعمار). إنه يخلق **تسلسلاً هرمياً للضحايا**: الأوكرانيون “جديرون” بالدعم، الفلسطينيون “إرهابيون”؛ الأويغور يستحقون الاستنكار، اليمنيون يُنسون. **غزة كانت الكاشف النهائي لهذا النظام.** ل أشهر، كررت وسائل الإعلام الغربية الرواية الإسرائيلية (“إسرائيل تدافع عن نفسها”)، متجاهلة جرائم الحرب والحصار. ومع ذلك، **رفض السكان هذا السرد**: خرج ملايين الأشخاص إلى الشوارع، وندد المثقفون بالنفاق، وحتى مؤسسات مثل المحكمة الجنائية الدولية تجرأت على توجيه الاتهام لنتنياهو. **لكن الولايات المتحدة، حارسة “الدين الليبرالي”، هاجمت المحكمة الجنائية الدولية فوراً**، مما أثبت أن الديمقراطية ليست سوى أداة عندما تخدم مصالحها. **المعيار المزدوج: أوكرانيا مقابل فلسطين، أو كيف بدأت شقوق الدين الليبرالي** أظهرت حرب أوكرانيا إلى أي مدى يمكن للغرب أن يحشد آلته الأيديولوجية عندما تكون مصالحه مهددة. **دعم عسكري هائل، عقوبات اقتصادية، تغطية إعلامية على مدار الساعة** – تم فعل كل شيء لتقديم هذه الحرب على أنها صراع بين “الديمقراطية” و”الهمجية”. لكن في غزة، **لا تنطبق نفس القواعد**. القنابل الإسرائيلية على المستشفيات والمدارس؟ “أضرار جانبية”. الحصار الذي يُجوّع مليوني شخص؟ “الدفاع المشروع”. المظاهرات المؤيدة لفلسطين في الغرب؟ **ممنوعة، مجرّمة، أو متهمة بمعاداة السامية.** هذا **الانفصام** صدم جزءاً من السكان الغربيين. **لأول مرة، رأى المواطنون بوضوح المعيار المزدوج.** وردّوا: إضرابات، مقاطعات، مظاهرات ضخمة. **بدأ الدين الليبرالي يفقد مؤمنيه.** — ## **مقاومة الدين الليبرالي: ما هي البدائل؟** في مواجهة هذا النظام، تظهر ثلاث مسارات لتفكيك الإمبريالية الديمقراطية: 1. **فضح النفاق الإعلامي** – **مثال**: عرضت وسائل الإعلام الغربية حرب أوكرانيا على أنها “غزو غير شرعي”، لكنها بررت غزو العراق عام 2003 على أنه “تحرير”. – **الحل**: دعم وسائل الإعلام المستقلة (*ميديا بارت*، *ذي إنترسبت*، *الجزيرة*) والصحفيين الذين يجرؤون على كسر الرواية السائدة. 2. **تقويض الأسس الاقتصادية للإمبريالية** – **مثال**: تفرض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على روسيا، لكنها تغض الطرف عن مبيعات الاسلحة لاسرائيل – **الحل**: **المقاطعة، سحب الاستثمارات، العقوبات (BDS)** ضد الشركات المتواطئة (مثل تلك التي تزود إسرائيل بالأسلحة). 3. *بناء عالم متعدد الأقطاب* – *مثال*: رفعت جنوب أفريقيا دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية – سابقة تاريخية. – **الحل**: دعم المنظمات الإقليمية (بريكس، الاتحاد الأفريقي) التي تقاوم الهيمنة الغربية. **الخاتمة: كسر العقيدة، إعادة بناء العالم** في صيف 2019 بمارسيليا، لم يكن صديقي قادراً على فهم لماذا أشكك في تصدير الديمقراطية. **اليوم، بعد غزة، لم يعد أحد قادراً على تجاهل نفاق النظام.** “الدين الليبرالي” ليس سوى أداة أخرى في ترسانة الإمبريالية. أداة تسمح بتبرير ما لا يمكن تبريره: الحروب، النهب، وهيمنة اقتصادية وثقافية عمرها قرون. لكن كما يبيّن سمير ساول، **هذه الآلة بدأت تتعطل.** الشعوب الغربية، خاصة الشباب، لم تعد تصدق الرواية السائدة. دول الجنوب تقاوم. والبدائل – التعددية القطبية، إنهاء الاستعمار الفكري، العدالة الاقتصادية – بدأت تظهر. **السؤال لم يعد ما إذا كانت الإمبريالية موجودة، بل كيف ندمرها.** والإجابة تبدأ برفض أكاذيبها، مثل أولئك الذين اعتقدوا، في أمسية صيفية بمارسيليا، أن الديمقراطية غاية في حد ذاتها وليست سلاحاً. **المصادر المستخدمة** – الكتب والمراجع: – ساول، سمير. *الإمبريالية* (2025). – ساول، سمير. *الإمبريالية، الماضي والحاضر* (2010). – سعيد، إدوارد. *الاستشراق* (1978).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *