
الحرب على الذاكرة.. الحرب على الكتب
حاتم الشهري – السعودية

عادتي اليومية أن أقرأ أحدث المقالات والأخبار في الأدب والثقافة بكل لغات العالم. صادفت خبرا يقول أن وزارة الثقافة الأوكرانية خصصت مبلغا لدعم قطاع النشر بعد الخسائر الكبيرة التي لحقت به جراء الهجمات الروسية.
حينما تتجه القذائف إلى مخازن الكتب فهي تستهدف الذاكرة التي تجعلهم شعبا. أنا أكره السياسة وليس لي علاقة فيها لكنني أحاول أن أتناول هذا الخبر من زاوية اتصالية ثقافية قدر الإمكان.
الكتاب مهم لأنه يصنع ذاكرة الأمة وتاريخها وسرديتها وبتعطيل كل هذا فأنت تعطل إنتاج المعرفة وتعرقل انتقال الثقافة إلى الأجيال الأخرى. الكاتب الفرنسي Pierre Nora تحدث عن “أماكن الذاكرة” وهي كل ما يحفظ هوية الأمة ويمكن اعتبار الكتاب واحدا من أهم هذه الأماكن؛ لأنه يحفظ اللغة والقصص والتاريخ.
كل كتاب يطبع بلغة البلد الأصلي هو إعلان بأن هذه اللغة حية وما زالت قادرة على إنتاج المعرفة ولهذا فإن استهداف البنية التحتية للنشر هو هدم لأحد أهم أدوات الحفاظ على الهوية الثقافية.
من يروي القصة غير الكتاب من يصنع السردية غير الثقافة من يصنع الأطفال غير المناهج الدراسية. فقدان ملايين الكتب المدرسية وغيرها يعني أزمة تعليمية مباشرة وخسارة ثقافية طويلة الأمد، ولعل ما يحدث اليوم يعيد إلى الأذهان حقيقة قديمة وهي أن الكتب كانت دائما من أوائل ضحايا الحروب فكلما اشتد الصراع امتدت آثاره إلى المكتبات والمطابع ودور النشر؛ لأن الثقافة تمنح المجتمع القدرة على استعادة ذاته بعد انتهاء القتال وقد أثبت التاريخ أن الجيوش تستطيع احتلال المدن؛ لكن السيطرة على الذاكرة تبقى أكثر تعقيدا؛ فالذاكرة تعيش في الكتب وفي اللغة وفي القصص التي يرويها الناس لأبنائهم.
ظل الكتاب عبر القرون شاهدا على الحضارات وحارسا لذاكرة الشعوب حتى في أحلك الظروف ولا شك عندي أن الكتاب هو أحد أشكال المقاومة الهادئة فكل كتاب يُقرأ يضيف طبقة جديدة إلى الوعي الجمعي ويمنح الثقافة فرصة أخرى للبقاء.
المطبعة فضاء تصاغ فيه الذاكرة وعندما تطول الحرب المطابع ودور النشر ومستودعات الكتب فإنها تحرم الشعوب من حفظ قصتها وروايتها للأجيال.



