
ألكسندرا أوتشيروفا، بين الكونية الروسية والقسَم!
بقلم: أشرف أبو اليزيد، مصر

تُعَد ألكسندرا أوتشيروفا، عضو أكاديمية العلوم الروسية، واحدة من أبرز الأصوات في الشعر الروسي المعاصر، ، وسفيرة النوايا الحسنة لليونسكو. وقد صدر ديوانها الشعري باللغة الصينية؛ الكونية الروسية (Russian Cosmism)، المترجم من الإنجليزية إلى الصينية، عن دار نشر ثقافة الأرض في مارس 2025، بعد عام من صدوره بالإنجليزية في القاهرة ضمن سلسلة إبداعات طريق الحرير، وكنت ترجمت قصائده إلى العربية، وصدر بعنوان (آفاق، متوالية شعرية).
على غلاف الكونية الروسية نقرأ قصيدتها: جرس الكون يدوي (The Universal Bell Is Bringing)، بينما تحتوي الصفحة الداخلية الثانيةعلى سيرة ذاتية ثنائية اللغة للشاعرة مع صورة فوتوغرافية ملوّنة لها، وتحتوي الصفحة الداخلية الثالثة على سيرة ذاتية مترجمة للمترجم معصورة فوتوغرافية ملوّنة له.
ضم هذا الديوان 106 قصيدة من أروع ما نظمت ألكسندرا أوتشيروفا، وتمتد القصائد عبر مراحلها الإبداعية المبكرة والحديثة. يفتتح الكتاب بمقدمة كتبها الشاعر الأشهر، قنسطنطين كيدروف، الراحل قبل أيام، ويختتم بمراجعات تحليلية موجزة لعشرة شعراء بارزين من دول مختلفة، من بينهم مايكل لافيري،المتخصص في اللغات السلافية من جامعة ميريلاند، والذي قام بتنقيح الترجمة الإنجليزية لضمان سلاسة أسلوبها للقارئ الدولي، مما يتيحله الغوص في الفلسفة الكونية حيث يرتبط الوعي البشري بالكون بشكل لا ينفصم.

أكدت في كلمتي على دعوة أوتشيروفا الفلسفية إلى السلام وحماية الطبيعة، وأشرت إلى أهمية الانسجام والرحمة، التي تشكل خيطًا متصلاً في شعرها، مما يتيح للعالم العربي التواصل مع هذه التساؤلات الأزلية حول موقع الإنسان في الكون وعلاقته بالطبيعة:
“تعيد ألكسندرا أوتشيروفا تفسير وإعادة بناء أفكار هذه الحركة، متوغلة في أعماق الفلسفة الكونية وفهم البشرية ضمن سياق الكون. يشكل شعرها مثالًا كلاسيكيًا على الغنائية الفلسفية، حيث يتناول موضوعات لم تستكشفها بعد الفلسفة المعاصرة. تدعو إلى العودة إلى الجذور الكلاسيكية للتأمل الفلسفي، مع التركيز على مركزية الإنسان، وإبراز مكانته في العالم والكون، وقدراته، وسعيه نحو الهدف.”
ترجم ديوان “الكونمية الروسية” إلى الصينية العالم الصيني الشاب وانغ يي، الذي امتازت ترجمته بالدقة، وهو أستاذ اللغة الإنجليزية في جامعة Northwest A&F، ويشرف على ثلاثة مشاريع على مستوى المقاطعات وثلاثة مشاريع أخرى على مستوى الجامعة، وشارك في تحرير وترجمة كتابين، ونشر ديوانًا شعريًا مترجمًابعنوان “الله يحب الشعراء” (God Loves Poets). كما نُشرت أعماله المترجمة في عدة منصات، مثل صحيفة الشعب اليومية (الإصدارالخارجي)، ومنتدى الشعر الصيني.

مع احتفال روسيا بذكرى النصر الثمانين صدر كتاب أوتشيروفا الأحدث، القَسَم، أو العهد. وقد كتبته عن ذلك الإصدار الجديد الشاعرة الفيلسوفة مارجريتا آل، رئيسة منظمة كتّاب العالم (WOW) بأنه عمل يستحق التأمل الفلسفي في سياق تلك الأسئلة العالمية التي لطالما أرّقت البشرية على مدار وجودها:
“إن الذاكرة المتجسدة في هذا العمل عن النصر العظيم لا تُعد مجرد لحظة تأمل تاريخية أخرى، بل تمثل أساسًا فلسفيًا يمتد عبر القرون، ليذكّرنا بأعظم مسؤولية للبشرية تجاه ذاتها وتجاه الأجيال القادمة. تنقلنا أوتشيروفا، من خلال تأملها العميق للحظة التاريخية، إلى أسئلة جوهرية تقع في صميم الحضارة الإنسانية وفلسفة الوجود. كل قصيدة في كتاب (القسَم)تذكرنا بأن البطولة في زمن الحرب الوطنية العظمى تمثل واجبًا أخلاقيًا ما زال قائمًا في وعي الإنسان ومسؤوليته. وفي هذا السياق، يغدو نضال الجنود من أجل السلام جزءًا حيًا من النظام العالمي، حيث يحمل كل فعل مقاومة للشر معنى للكون بأسره، وتغدو الذاكرة، كحلقة وصل، العامل المحدد للمستقبل، والأساس لفلسفة أخلاقية تضمن ألا يتكرر الشر ولا يصبح جزءًا من واقع جديد. لقد كان النصر فعلًا حتميًا وضروريًا، وأصبح قيمة عليا لجميع الشعوب. لكن في «القَسَم»، لا تنتصر الجيوش فحسب، بل تنتصر الأخلاق، وينتصر مبدأ الحرية والكرامة الإنسانية الذي يتجاوز حدود الزمن. تُرى الأرض التي تحقق عليها هذا النصر كمكان مقدّس مفعم بدلالات الرمزية والذاكرة والإرث، أرض تتحدد عليها القيم وتكتسب مكانة مقدسة كتذكار دائم يدعونا لتذكر البطولات والدفاع عن المبادئ التي تجسّدها.
“للأرض الروسية مهابةٌ عظيمة – كل شبرٍ منها مشبعٌ بدمٍ مقدّس.”
ألكسندرا أوتشيروفا في هذه الأبيات تتجلى فكرة أن الأرض التي تقع علينا مسؤوليتها، إنما هي تجسيد لروح الشعب وقوته، ورمز ندرك من خلاله مسؤوليتنا تجاه أنفسنا وتجاه البشرية بأسرها.
في (القسَم) يظهر بوضوح فكرٌ فلسفي مفاده أن بطولة كل جندي دافع عن الوطن لا تزال حيّة فينا، كجوهر روحي أساسي لتكوين رؤيتنا الأخلاقية والفلسفية للعالم. تدعونا المؤلفة للتفكر في سؤال فلسفي عميق: كيف تصبح ذاكرة الماضي واجبًا أخلاقيًا في الحاضر؟ وكيف تُشكّل هذه الذاكرة مستقبلنا؟ هنا يكمن المعنى الفلسفي للعمل – وعي كل إنسان وكل أمة بمسؤوليتهم عن المستقبل. فبطولة الجندي البسيط، التي شكّلت أساس النصر، تدخل دائرة الأبدية، متجاوزة حدود الزمن، لتصبح جزءًا من نظام عالمي يرسم مسار تطور البشرية.
“قلنا – سنعود من جديد،
لتُحقق الحياة الأحلام،
ونرى من جديد شمسنا،
ونهدي الزهور للفتيات،
ونقول لأمهاتنا شكرًا على الحياة،
وللآباء والأجداد على النصر،
ونسير بخطى النصر
فوق آثار الأعداء الماكرين.”
تُعبّر هذه القصيدة عن وعي عميق بالمسؤولية تجاه العودة إلى النور والحقيقة، ففي استحضار الماضي، يجد الإنسان واجبه تجاه الأجيال المقبلة: أن يتغلب على الشر ويعيد العدالة من خلال انتصار الروح والقوة الأخلاقية.
“ليتذكر الجميع ستالينغراد،
ورجيف، وبطولة الحصار…
والجنود الذين هزموا قوى الجحيم –
الأحياء منهم والتماثيل البرونزية.”
تُذكرنا هذه الأبيات بأن ذاكرة النضال ضد قوى الشر تمثل أساسًا دائمًا للنظام الأخلاقي، إذ إن انتصار الجنود الذين صمدوا في وجه المحن يكتسب ليس فقط بُعدًا تاريخيًا، بل وفلسفيًا، كرمز لإرادة الإنسان وتجلي الحقيقة الأخلاقية في معركة الحرية.
“لقد دفعتَ ثمن يوم النصر
بكل ما كنت تملكه وتحلم به.
كل ما أحببته ولم تعرفه –
أخذته معك إلى المنصة
في الميادين المحررة
أو عواصم العدو المنهارة.
لكنك لم ترَ الأم والمنزل،
حيث نداء البتولا، ونور البروق.
وأصبحت رمزًا للشعب،
واقفًا، خالدًا وحيًا،
كأنك الضمير والقوة والحرية،
تمسك بالسلام فوق رأسك.”
“الجندي الأبدي” هو صورة كونية يجسّد فيها أسمى معاني الواجب الإنساني، حيث لا تختفي انتصاراته على الشر والموت في غياهب الزمن، بل تظل حية كمبدأ يرسم مصير الأفراد والمستقبل الأخلاقي للأمم. ففي هذا الفعل البطولي تتجلى أكثر من مجرد تضحية شخصية — إنها إدراك للمسؤولية الأخلاقية الشاملة، التي تمتد عبر العصور، وتربط أفعال الإنسان بالنظام الكوني، حيث كل جهد يُبذل لحماية السلام والإنسانية يُسهم في تقدم الحضارة، ويخلق فضاءً لسمو الروح، وصون الكرامة والحرية، حيث من مرّ بالتجربة يحتل ذاكرة خالدة في التاريخ الجماعي، وتغدو له قيمة أخلاقية تتواصل عبر الأجيال، لأن في كل جيل، تعيش إنجازات مَن سبقوه دفاعًا عن السلام وترسيخه. وهذه الذاكرة، وهذا الرباط الأخلاقي بين الأجيال، هو ما يصنع أساس التقدم الأخلاقي.



