أخر الأخبار

تحوّل العقيدة الأمنية السورية في عهد أحمد الشرع: من القبضة الحديدية إلى الذكاء المؤسسي

د. عبد الله خلوف

مع بروز أحمد الشرع كرأس جديد للدولة السورية، يبدو أن البلاد قد دخلت مرحلة مختلفة جذريًا عن العقود السابقة التي وُسمت بالقبضة الأمنية الصارمة وشخصنة الدولة في بنية عائلية-أمنية ضيقة. فبينما كان يُنظر إلى سوريا في عهد بشار الأسد باعتبارها دولة تحكمها الأجهزة، فإن المؤشرات الأولى لعهد الشرع تشير إلى سعي حثيث لإعادة إنتاج مفهوم “الضبط والسيطرة” ولكن بأساليب أقل خشونة، وأكثر قابلية للتسويق الداخلي والدولي.

ولعل الزيارة الأخيرة التي أجراها وفد من وزارة الداخلية السورية إلى جمهورية باكستان الإسلامية تُعد أوضح تعبير عن هذا التحول البنيوي. فالوفد، الذي ترأسه زياد العايش معاون وزير الداخلية، وضم مسؤولين من جهاز الاستخبارات العامة، لم يكن وفدًا بروتوكوليًا أو مراسميًا، بل حمل في طياته رسالة استراتيجية تتعلق بإعادة هيكلة العقل الأمني للدولة السورية.

من الأمن القمعي إلى الأمن المؤسسي

في زمن بشار الأسد، تأسست منظومة الأمن على ثلاثة أعمدة: الترويع، القمع، والاختراق. وكان الولاء المطلق للزعيم هو القاعدة الأولى في الاشتغال الأمني، بينما كان المجتمع يُعامَل باعتباره تهديدًا مستمرًا. أما في عهد أحمد الشرع، فإن الشكل الظاهري للعقيدة الأمنية بدأ يتغير:

هناك نقل للتركيز من القوة الغاشمة إلى الذكاء الاصطناعي، التحليل الرقمي، والرقابة الناعمة. وبدلاً من إطلاق العنان للأفرع الأمنية للتصرف بحرية، يتم الآن استكشاف نماذج جديدة لـ”الضبط المجتمعي” عبر أدوات مدنية – شرطية – تكنولوجية.

وهنا يأتي الدور الباكستاني.

لماذا باكستان؟

اختيار باكستان لم يكن عشوائيًا. فهذه الدولة تمتلك تجربة معقدة في ضبط مجتمعات مضطربة، وتمكنت من إدارة قضايا الإرهاب والتطرف الديني دون أن تنزلق تمامًا إلى حرب أهلية، ودون أن تُتهم على الدوام باستخدام أدوات قمعية مفرطة.

وقد طوّرت باكستان مؤسسات مثل وكالة التحقيقات الفيدرالية (FIA)، والأكاديمية الوطنية للشرطة، التي تدمج العمل الأمني التقليدي بالتقنيات الحديثة، إضافة إلى أساليب التحقيق المعتمدة على الذكاء السلوكي والتعقب السيبراني.
فالـFIA تُعد الذراع الأكثر تقدماً في باكستان في مجال الجرائم الرقمية، حيث تمتلك قسماً متخصصاً يُعرف بـ”الجناح السيبراني” (Cyber Crime Wing)، يعتمد على شبكة واسعة من أدوات المراقبة الرقمية، واختراق الشبكات، وتحليل البيانات الضخمة، وتتبع المواقع الجغرافية، ورصد التهديدات على وسائل التواصل الاجتماعي في الزمن الحقيقي. كما تستخدم الوكالة تقنيات “تحليل السلوك الرقمي” لتحديد التوجهات المتطرفة أو السلوكيات الإرهابية قبل وقوع الجريمة، عبر خوارزميات ذكاء اصطناعي تم تطويرها بالتعاون مع شركات أمنية آسيوية.

أما الأكاديمية الوطنية للشرطة (NPA)، فهي مركز تدريبي متطور يستخدم بيئات محاكاة افتراضية لتدريب الضباط على التعامل مع الأزمات، وتشمل برامجها التدريب على إدارة الحشود، والرد على الهجمات السيبرانية، واحتواء العصابات المسلحة داخل المدن. وتقوم الأكاديمية بتدريب عناصر الشرطة على استخدام كاميرات الذكاء الاصطناعي للتعرف على الوجوه، وتحليل أنماط الحركة في الشوارع العامة عبر شبكات مراقبة متصلة بمراكز القيادة.
هذا النوع من التكامل بين التكنولوجيا والمهارات البشرية يُعد ما تفتقر إليه أجهزة الأمن السورية التي ما تزال تعتمد على الأساليب البدائية والتقارير الورقية والشفهية والمخبرين الميدانيين، في وقت تتغير فيه أساليب التهديد لتكون أكثر ذكاءً وعابرة للحدود. ومن هنا، فإن رغبة دمشق في الاستفادة من التجربة الباكستانية لا تُفهم فقط في سياق تدريبي، بل كمحاولة عاجلة لترميم جهاز أمني متهالك بمساعدة دولة تمتلك تجربة قاسية ومركّبة في مواجهة التطرف والانفصال والسيبرانية، دون ضجيج سياسي أو ابتزاز دولي، ولأن السلطة في عهد الشرع تريد أن تبدو “دولة” لا “نظاماً” فقط!

نزع السمّ من الدولة الأمنية

واحدة من أكثر الإشارات خطورة – وإثارة في آن – هي أن الرئيس أحمد الشرع لا يريد فقط تحديث الأجهزة، بل يسعى على ما يبدو إلى تفكيك البنية الأمنية الأسدية تدريجيًا من الداخل. ولكن بدلاً من التصادم المباشر مع مراكز النفوذ، فإنه يُغرق تلك المؤسسات بمفاهيم جديدة، شراكات خارجية، أدوات رقمية، وهيكلة إدارية تستبدل “الرعب” بـ”الإدارة”.

وإذا ما تم ذلك بنجاح، فستشهد سوريا ولادة منظومة أمنية هجينة: أكثر انضباطًا، أقل عشوائية، ذات واجهة قانونية، ولكن لا تقلّ فاعلية في السيطرة.

رسالة مزدوجة إلى الخارج والداخل

الوفد الأمني السوري إلى باكستان لم يكن فقط للتدريب والتعاون، بل كان أيضًا رسالة سياسية ناعمة:

للداخل: لسنا بصدد العودة إلى زمن الانفجارات والبراميل، بل نتجه نحو نموذج أمني ذكي يضبط دون أن يبطش.

للخارج: سوريا تحت قيادة جديدة، وتفتح أبواب التعاون مع دول غير إيران وروسيا، وتسعى إلى خطاب أمني-دولي أكثر قبولًا، خاصة في قضايا مثل مكافحة الإرهاب وتبادل الخبرات.

نحو نظام ما بعد الأسد

في المحصلة، فإن زيارة باكستان، برغم بساطتها الشكلية، تمثل عتبة هادئة نحو مرحلة سياسية وأمنية جديدة. وتُعد زيارة الوفد الأمني السوري إلى باكستان من المؤشرات المهمة التي تعزز الفرضية المتداولة في الكواليس السياسية عن دخول سوريا مرحلة “ما بعد الأسد”، ليس فقط كشخص، بل كنموذج سلطوي طالما ارتكز على الحكم الفردي، والولاء الأمني التقليدي، والاعتماد المطلق على المحاور الإيرانية – الروسية. الرئيس الشرع يبدو حريصًا على بناء شرعية جديدة، لا تقوم على إرث والده أو دماء الحرب، بل على “العقلنة المؤسسية” والانفتاح على شراكات مختلفة، مثل التعاون مع باكستان.

إن إدخال خبرات أجنبية، خاصة من بلد مثل باكستان، الذي طور أجهزة رقابة وتحقيق تكنولوجية متقدمة، يوحي بأن النظام الجديد يريد ضبط الأمن لا من خلال الخوف، بل من خلال الكفاءة والتنظيم والرقابة الداخلية. ما بعد الأسد إذًا لا يعني فقط غياب الشخص، بل إعادة تعريف لآليات السيطرة والشرعية، وهو أمر لم يكن مطروحًا في أي لحظة خلال العقود الماضية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *