من يدفن طرابلس حيّة؟ مدينة تسقط تحت البرد والجوع والفقر

محمود طبشي:

طرابلس لا تموت فجأة، بل تُدفن ببطء. حجراً فوق حجر، ووجعاً فوق وجع. بيوتٌ تهوي على الأرض، وأخرى تقف على حافة الانهيار، تتكئ على الصبر وحده، بينما الدولة غائبة، والضمير نائم، والوقت يتحول إلى عدوّ.
في الأزقة القديمة، الجدران متشققة كوجوه أهلها. سقوفٌ تهتزّ مع كل شتوة، وأبوابٌ تُغلق خوفاً لا أماناً. عائلات تسأل السؤال الأبسط والأقسى: إذا سقط البيت… إلى أين نذهب؟ لا جواب. لا خطة. لا مأوى. فقط وعود تتبخر، ولجان تُشكَّل بعد فوات الأوان.
الانهيار ليس إنشائياً فقط. هناك انهيار أعمق: بردٌ ينهش الأجساد، جوعٌ يطرق الأبواب بلا استئذان، وفقرٌ يحاصر المدينة من كل الجهات. أطفال ينامون بثيابهم لأن التدفئة حلم، وطبابة صارت حلم وأمهات يعدن العدس على أنه وليمة، وآباء يُخفون العجز خلف صمتٍ ثقيل.
طرابلس ليست عبئاً على أحد، لكنها تُعامل كأنها زائدة عن الحاجة. تُستَخدم في المواسم، وتُنسى في الكوارث. كل بيتٍ يسقط هو اتهام مباشر، وكل تصدّعٍ في جدار هو شاهد على الإهمال المتراكم. هذه ليست قضاءً وقدراً، بل نتيجة سياسات باردة، وإدارة عاجزة، ولا مبالاة قاتلة.
من يدفن طرابلس حيّة؟
ليس المطر وحده. ليس الزمن وحده.
إنه الإهمال حين يتحول إلى سياسة، والصمت حين يصبح شريكاً، والتأجيل حين يقتل.
طرابلس لا تطلب المستحيل. تطلب حقها في الأمان، في السكن، في الحياة. قبل أن تسقط البيوت كلها… وقبل أن يُقال مرة أخرى: حصل ما كان متوقعاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *